من حكايا إمبراطورية المساخيط
الكائن الهلامي
توقفت قنوات التلفاز المحلية عن بث برامجها المعتادة ، وأطل المذيع بوجهه الذي يتصفد عرقاً ، محذرا الناس من صنابير المياه وطالبهم بالإبتعاد عنها وعدم فتحها حتى يصل الفريق المكلف إلى حل لغز هذا الكائن الهلامي الغريب.
ولكن بعد فوات الأوان ، فهناك عدد كبير راح ضحية هذا الكائن الهلامي أحمر اللون الذي ينساب من الصنابير ، ويتشكل على هيئة حيوان مخيف ومخالب فتاكة ويفترس كل من يجده أمامه من كائنات حية .
القناة الفضائية الوحيدة التي نقلت للناس صورة هذا الكائن ، وتناقلتها جميع الفضائيات ، هي قناة " الجزيرة " كائن يشبه طائر البطريق ، بدون رأس ، له عين واحدة في وسط جسده ، وفم يتشكل عندما يمسك بضحيته ، وتبرز الأسنان الحادة ، يقفز قفزاً عندما يمسك بضحيته ، تستطيل مخالبه وتلتف كالأفعي تعتصرها .
انغرست قناة "الجزيرة" بمراسليها في قلب الحدث ، تنقل للمشاهد رعب الناس من هذا الكائن الهلامي المخيف ، البشع ، وهو يفتك فتكاً بضحيته وهو يعتصرها ويشرب دماءها وينهش في لحمها ويقرمش عظامها ثم يسقط على الأرض ليتحول إلى قطعة لزجة سرعان ما تتبخر ولم يتبق في المكان إلا بقايا دم من أثر الضحية .
وسائل الإعلام المحلية تؤكد للجميع بأنه لاخوف من شيء مادامت الصنابير مغلقة ، استمر هذا الرعب أياماً ، ولكن الناس تحتاج إلى ماء ، ماذا يفعلون ، عندما اقتربوا من الترع والمصارف تحولت المياه إلى لون أحمر ، لزج بدأ في الإنتفاخ ، هرول الناس بعيداً عن الترع والمصارف ، خرجت الكائنات الهلامية أكلت الأخضر واليابس وبركت على الأرض تقهقه وهي تتبخر ولم يبق إلا الأرض المحروقة الخالية من اللون الأخضر .
ماء النيل الذي يجري في هذا الشريط الطويل بطول البلاد ، عندما اقترب الناس منه وجدوا المياه تجري بسرعة الطوفان ، وتختفي ، كأنها تبخرت ، وتشقق باطنه ولم يبق منه إلا رائحة السمك الذي تعفن وفاحت رائحته تزكم الأنوف وانتشر الذباب والحشرات بطريقة مفزعة من آثار السمك العفن ، ورائحة الدماء التي خلفها ضحايا هذا الكائن المفزع .
علم الناس من مصادر وثيقة أن الكائنات الهلامية تكاثرت عند مصب النهر في الجنوب البعيد وبنت بأجسادها الهلامية سداً يمنع دخول الماء إلى النهر .
توقفت مصانع المياة الغازية ، ونفدت زجاجات المياة المعدنية ، ولا حل أمام الحكومة إلا استيراد كميات كبيرة من المياة المعدنية لتحل الأزمة مؤقتاً لحين حل المشكلة والتوصل إلى سر لغز هذا الكائن الهلامي .
لا يصرف لكل مواطن أكثر من زجاجة في اليوم ، وبعد عدة أيام قررت الحكومة أمام العجز الكبير في استيراد زجاجات المياة ، تخفيضها إلى زجاجة كل ثلاثة أيام ، انخفضت إلى زجاجة كل أسبوع. ولا تنسى أن تؤكد للجميع إنها تسعى وتبذل كل جهودها لمعرفة سر هذا الكائن العجيب وإن كان حتى الآن لم تعثر على دليل مادي وراء هذه الظاهرة الغريبة ، رغم استعانتها بخبراء من كافة الدول المحيطة والصديقة والعدوة .
شهور مضت والناس تعيش في توتر وقلق وهلع ، وعطش ، انتشرت الأمراض الجلدية ، وكثرت الحشرات في الشوارع من رائحة الحيوانات النافقة الملقاة في كل مكان ، وكثرت حالات الوفيات نتيجة نقص الماء والغذاء ، بعد أن قضت الكائنات الهلامية على كل أخضر ، ورفضت الدول المجاورة استقبال النازحين عبر حدودها واكتفت بتقديم المساعدت الرمزية من طعام مجفف وخبز ومياه.
مصور قناة الجزيرة الذي يقوم بتصوير بعض اللقاءات على الحدود ، وهو يقوم بفتح زجاجة المياه المعدنية ليروي ظمأ الجسد المهنك من الشمس الحارقة ، صرخ وهو يلقي بالزجاجة على الأرض ، نظر الناس إلى الزجاجة وجدوا لون المياه يتغير إلى اللون الأحمر الداكن وتخرج المادة اللزجة متدفقة من عنق الزجاجة وسرعان ما تشكلت إلى حيوان هلامي قمئ ، جال بعينه النارية ، ومد يده التي استطالت وجذب بها المصور ، واعتصره بين ذراعيه ، يمص دمه وينهش في لحمه ويقرمش عظامه ، ثم يسقط على الأرض بعد أن أطلق صيحة سقطت لها قلوب كل المرعوبين الذين وقفوا في ذهول يشاهدون المشهد ، وسرعان ما تبخر ولم يبق إلا آثار بقايا دماء على الرمال .
جفت منابع الماء ، وعم الخراب وتفشت الأمراض ، وما زالت الحكومة والمنظمات الأهلية والدولية تسعى وراء حل لغز هذا الكائن الذي قضى على الحياة في تلك البقعة العامرة بالماء ..
واعتمد الناس على طعامهم على تلك المعلبات التي تأتي من خارج البلاد ، وزجاجات الماء التي تفتح بحذر خوفاً من خروج هذا الكائن الهلامي القاتل الذي خرج من قبل لمصور قناة الجزيرة وقضى على حياته .
في ليلة شتوية غائمة ، والسكون يعم أرجاء البلاد ، إلا من خربشات الفئران المنتشرة في كل مكان ، تلك التي توغلت وأصبحت تشكل خطورة على حياة الناس ، فاضطر الناس إحكام غلق منازلهم وسد كل النوافذ حتى لا تدخل الفئران فتزيد الخراب خراباً .
فجأة سمع الناس صراخ خازن مخزن المواد الغذائية الساهر أمام المخزن الكبير وسط المدينة ، فأطل الناس من بيوتهم ليعرفوا سبب صراخه ، وراعهم ما شاهدوه ، فهرولوا داخل منازلهم وأغلقوا المنافذ بعد أن اجتاحهم الرعب ، تحول الغيم في السماء إلى وحوش تحلق في السماء وتكشر عن أنيابها ، وسرعان ماهطل المطر غزيزا ، تحول المطر إلى كائنات هلامية لزجة ، جابت الدروب والشوارع باحثة عن وليمة ، وقبل أن يدلف حارس مخزن المواد الغذائية إلى الداخل اصطاده كائن هلامي ولم يترك من بقاياه شيئاً وسرعان ما تبخر .
انتشر رجال الشرطة في كل مكان يصوبون بنيراهم على الكائنات الهلامية ، التي تتمزق بفعل الرصاص الحارق ، وسرعان ما تقوم تلملم الأشلاء المتناثرة ، وتنهض وهي أكثر بشاعة ، وأمام جحافل الغزو هرب رجال الشرطة بمدافعهم الثقيلة وعرباتهم المجهزة ، وفي الصباح ومع سطوع الشمس ، سقطت الكائنات الهلامية على الأرض وسرعان ما تبخرت.
أهل الخبرة والرأي علموا أن هذه الكائنات تتأثر بالضوء الشديد الذي يعمل على تذويبها وتبخيرها ، ماذا يفعلون والبلاد تسبح في ظلام دامس يعمها ، فوضعت الحكومة في كل شارع مولداً كهربائياً يعمل بالغاز يضيئ الشوارع قبل حلول الظلام .
عندما قام البعض في أحد الأحياء بالتخلص من المخلفات والحيوانات النافقة في بالوعة المجاري ، وأثناء عملهم خرجت الكائنات الهلامية من بالوعة المجاري، وحصدت أرواح معظمهم ، وأثارت الهلع في كل أحياء المدينة ، فحاصرتهم الشرطة بكشافاتها وسلطت عليهم الأضواء فسقطوا على الأرض وذابوا .
سمع الناس عن العجوز الذي يسكن الجبال ، وبجواره بئر يشرب منها ولم تمسسها الكائنات الهلامية ، شدوا الرحال إليه ، قبل أن يتحدث أحد منهم أشار لهم إلى البئر هرولوا إليها وتزاحموا وتقاتلوا وسقط من سقط تحت أقدام المهرولين ، وبعضهم قتل تحت الأقدام ، والعجوز ينظر إليهم وعلى وجه ابتسامة لا تفارقه .
شرب من شرب ، وعبأ الناس زجاجاتهم وأوانيهم والبعض أراد أن يستحم ويتطهر ، الكل يتسابق ، سمعت الحكومة عن البئر وعندما ذهبت وشاهدت تدخلت لتنظم توزيع الماء على الناس ، ولكن الطابور طويل ، والناس عطشى .
قامت الحكومة بتعبئة الزجاجات وتوزيعها على الناس وهي تطالبهم بعدم التبذير في المياه حتى لا تنضب البئر فهي الأمل الوحيد حتى تجد حلاً لهذه الأزمة المستعصية ، واللغز المحير .
سرعان ما تحولت الصحراء والجبال القريبة من البئر إلى منطقة آهلة بالسكان ، بنى الناس بيوتهم من بقايا أخشاب جلبوها من المدن المجاورة ، وأصبحت المدن شبه خاوية ، كل شيء توقف .
حياة أقل من البداوة ، لا هَمَّ للناس إلا بعض المعلبات التي تملأ الجوف ، وبعض الماء من البئر الوحيدة التي لا تنضب ولا يقل فيها الماء رغم ما أخذ منها للملايين التي ازدحمت حول البئر وسكنت .
لا عمل .. لا زرع .. لا كهرباء .. الحياة توقفت تماما ، بات حُلم البعض الحصول على بطاريات صغيرة لتشغيل ردايو الترانزستور الصغير لمعرفة آخر الأخبار .. وليطل منه على الدنيا بعد أن أغلقت الحدود ورفضت كل الدول استقبال أحد من سكان البلاد والإكتفاء بما تقدمه من مساعدات .
خرج الناس مهرولين من بيوتهم الخشبية نحو الجبل ، بعد أن سمعوا أحد الجنود المكلفين بحراسة البئر يجري مهرولاً مذعورا بعد أن ألقى بسلاحه على الأرض وهو يصرخ : يوجد كائن هلامي بالبئر ، يوجد كائن هلامي بالبئر .
العجوز لم يعبأ بكلام الجندي ، ولا بالذعر الذي أصاب الناس ، وأتجه ناحية البئر ، وأطل برأسه ، وتأمل البئر ، ثم رفع رأسه إلى السماء متمتما ببعض الكلمات ، وعلى وجهه ابتسامته التي لا تفارقه والتي تفترش كل مسامات ووجهه .
عاد الناس إلى مراقدهم بعد أن هدأ من روعهم الضابط الذي شاهد العجوز يبتسم بجوار البئر فأقترب منه على حذر فعلم أن الذي أحدث صوتاً إحدى الضفادع التي تعيش في شقوق البئر .
كانت مفاجأة للجميع تلك التي أعلنها البروفسير الروسي الذي حضر ضمن اللجنة المكلفة بالبحث عن السبب وراء ظهور هذا الكائن الهلامي الغريب .
قال للجميع : إن ماحدث بفعل فاعل ، النهر العظيم تم تحويله بفعل فاعل بعد أن حفروا له في الأعماق وسحبوه بشفاطات قوية وتم تخزينه في خزانات تحت الأرض صنعت خصيصاً منذ أعوام طويلة ، وحدد موضعها على الخريطة التوضيحة التي رسمها ، أما الكائنات الهلامية فهي كائنات دقيقة من خلايا قابلة للتكاثر السريع والتشكيل تدخل فيها العلم وتم وضعها في خزانات المياه بفعل فاعل وفي الترع والمصارف والجدوال .. وهي لديها القدرة على التكاثر السريع ولكن عندما تأكل تذوب مرة أخرى وتتبخر .
ووعد الجميع بتوضيح أكثر عندما تكتمل لديه الرؤية ، فقط يريد مهلة لا تزيد عن أيام ليثبت للجميع ما توصل إليه .
في الصباح اختفى البروفسير الروسي ، ولم يُعثر له على أثر ، ولكن الغريب والمدهش أن الناس هرولت نحو مجرى النهر بعد أن طاف رجال مكلفين من الدولة يبشرون الناس بأن ماء النيل بدأ في التدفق عبر مجراه العطش ، وبحذر اقتربوا من الماء الذي تدفق ، وسرعان ما نزع بعضهم ملابسه وقفز في المياه المتدفقة.
وتم تطهير الخزانات من الصدأ وبقايا عفن ، وتدفقت المياه عبر الصنابير ، وعبر الترع والمصارف لتروي الحقول ، تعيد الحياة للأرض الخربة ، وتدفق الناس عبر الحضر ، يغنون للماء أصل الحياة ، ويتعاملون معه بحرص .. لا تبذير فيه ، ولا إلقاء قاذورات في النيل .
ووقف العجوز في الصحراء وحيدا يتمتم بكلمات مبهمة وهو واقف أمام البئر وحوله بقايا بشر رفضوا الرجوع مرة أخرى للمدينة وعمروا الصحراء و بدأت الخضرة تزحف على الرمال .
ورغم كل مافعله الكائن الهلامي المقيت ، إلا أنه لم يبق منه إلا الذكرى وحكايا الناس التي لا تنتهي .
قصص وحكايات وأفلام لاحصر لها ، ولكن السؤال الذي يؤرق رجال الدولة والناس : هل يمكن للكائن الهلامي العودة مرة أخرى ؟ .
همست الإمبرطورة بعد أن انتهى وزير السمر من سرد القصة ، قصة ممتعة يا وزير السخافة ولكن نريد قصصا أقوى من ذلك ..
سمعاً وطاعة يا سيدتي .. سأقص عليك قصة حيطان الجبل .