الأربعاء، 23 مايو 2012

الرواية البولسية .. بداية الطريق للكتاب


الرواية البولسية .. بداية الطريق للكتاب


عندما تعلمنا كيف نداعب الحروف بأعيننا ونفك مساماتها .. وتوجهنا لهذه المتعة التي لا يعرف لذتها إلا من ذاق وعرف .. وهي متعة القراءة .. أول ما وقع على أعيينا ونحن صغار تلك المجلات المصورة الجاذبة بمغامراتها ( ميكي- سمير- تان تان ) .. وعندما إكتشفنا بالصدفة في مكتبة منزل أحدنا (الفريد هيشكوك ) تعرفنا على عمنا ( السمنودي ) بائع الكتب القديمة .. وعم ( مصطفى الأعجر ) صاحب محل الكتب الشهير رحمه الله ، الذي أمدنا بأعداد كبيرة من كتب الفريد هيتشوك ،وأجاثا كريستي ، وأرسين لوبين ، وقعنا في أسر هؤلاء .. وعلى أيديهم عشقنا القراءة وحب الإطلاع .. وعندما ظهرت مغامرات ( المغامرون الخمسة ) للكاتب المصري محمود سالم ، تصادقنا مع أبطالها الرائعين (تختخ ومحب ولوزة ونوسة والشاويش علي ).. وعشنا معهم أمتع الأوقات .. هكذا كانت الرواية البولسية مدخلا مهما في تأصيل عادة القراءة لدينا .. عاشت بداخلنا ردح من الزمن .. ومازالت .
تذكرت تلك الهلات من زمن مضي ... وأنا أطالع الملف الرائع للمجلة العربية ، العدد (412) المعنون : ( الرواية البوليسية .. الفن المتخيل .. احتفاء القراء وإهمال النقاد ) طرح رائع لرؤى متعددة .. شملها هذا الملف الهام .. وإن كان المناخ العربي في كثير من البلدان مازال لم يؤصل لهذا الفن الجاذب لشريحة كبيرة من القراء .. ومازلت ثقافتنا تنظر لهذاالفن نظرة متدنية .
أذكر في منتصف تسيعنيات القرن الفائت .. واجه كاتب المغامرات الشهير دكتور نبيل فاروق عنت من إتحاد كتاب مصر الذي رفض عضويته في الإتحاد لأن كتاباته لا ترقى لمستوى نيل العضوية .. مما اضطره لرفع دعوى قضائية حتى حصل على هذه العضوية بعد صراع قضائي  .. مفارقة عجيبة .. وهو الكاتب الذي له شريحة كبيرة من القراء يتابعونه بعشق وحب ووله .
ورغم وجود هذا الفن على الساحة الإبداعية في كثير من البلدان العربية إلا أنه لايلاقي إهتماما كبيرا .. كما يفعل الغرب الذي يروج لمثل هذه الكاتبات .. ولعل المثل الواضح الجلي هنا سلسلة ( هاري بوتر ) التي جعلت صاحبتها بإصداراتها السبعة في مصاف كبار الكتاب .. وهذه السلسلة درت عليها من الربح ما يجعلنا نتحصر على كبار كتابنا من المبدعين ..
وكما طرحت المجلة العربية من خلالها ملفها .. تلك المشكلة /المواجهة .. التي تواجهها هذه الكتابات .. وما يقابلها من تجاهل النقاد الذين يتعالوا على هذا الفن رغم جماهيريته الكبيرة .. وشهرته الواسعة .. وحضوره القوي .
الأمر الذي يحتاج  منا إلى وقفة ومراجعة .. ويطرح الكثير من الأسئلة :
هل فعلا هذا الأدب للتسلية فقط ؟
هل مجرد كتابات فارغة من المضمون ؟
هل هي مجرد حدوتة الغرض منها المتعة ؟
ألا يكفي إنها تعود شبيبتنا وشبابنا على القراءة ؟؟
لقد أجاب الملف على كثير من الأسئلة .. ونحتاج أن نسمع رأي الناقد لننصف هذا الفن الجماهيري

(آماليات ) الشاعرة أمل حمدي ، عصفور ينطق بالحكمة

(آماليات ) الشاعرة أمل حمدي ، عصفور ينطق بالحكمة
محمود رمضان الطهطاوي
البلاستيكي عنوان مقالة نشرتها جريدة " الأهرام المصرية " في 25/12/1999م للروائي والكاتب المصري ( فؤاد قنديل ) ، وأعتقد إن هذا المصطلح الذي مر كغيره من المصطلحات مرور الكرام ، وكأننا لم نقرأ ، وهذا المصطلح يعتبر إضافة جديدة للحركة الأدبية ، وسيسجل التاريخ لهذا الروائي هذا السبق ، الذي نام في حضن الأوراق ولم نعره إهتماماً ، وفي ظني أن هذا المصطلح لو ظهر في دولة من تلك الدول التي صدرت لنا مصطلحات العولمة والمعجنة والبعججة الخ تلك المصطلحات التي غزت حياتنا حتى أصبحنا نطالع ما يكتب عن الحب في عصر العولمة !! .
نعود إلى مصطلح الأستاذ فؤاد قنديل الذي يفرق فيه بين النص الأدبي الحي والنص الأدبي الجامد ويقول في مقالته : " إن الفرق بين نص أدبي حي ونابض وملهم ، وبين نص بارد ، جامد ، إذا عصرته واستقطرته لا تتفتق خلاياه عن نقطة دم أو إحساس كمثل قطع من اللحم ،وقطعة من البلاستيك "
المهم إن الكاتب يطالبنا- وهو محق – بعدم محاصرة النص الأدبي وتضييق الخناق عليه باللغة حتى أصبح النص مجرد بناء لغوي خاوي من الفن .
هذا الكلام ينطبق على كل ألوان الفنون ،وعلى رأسهم النقد الذي تحول إلىمدارس لا يفهمها النقاد أنفسهم ، فقط نقرأ ثلاثية الراحل الدكتور عبد العزير حمودة ( المرايا المرايا المحدبة – المرايا المقعرة – الخروج من التيه ) لنعرف ما وصل إليه حال النقد .
يذكر الناقد والشاعر الأسباني " داماسو ألونسو " :" إن الشعر عصفور وديعا ، إن شددت عليه قبضتك الدراسية ، أزهقت روحه ،وحوَّلتهُ إلى جثة لا يغينك تشريحها في معرفة سر رشاقتها وهي ترف من حولك "
علينا إذن أن نمسك هذا العصفور بحنو شديد ،وأن نسمح له بالتلفت من أصابعنا ، وإن كان لنا أن نحبسه في منهج فليكن قفصاً واسعا يتركه يتنفس ويتحرك ، حتى لا نزهق روحه ، أو نحوله إلى دُمية ، قطعة من البلاستيك !!.
هذه المقدمة لابدمنها قبل الولوج في نصوص الشاعرة آمال حمدي المعنونة ( آماليات ) فهذه النصوص بماتحمله من صورة بسيطة / عميقة ، وتعد تجربة لصيقة بالشاعرة بعنوانها الذي اسمها ، إذن نحن أما تجربة ذاتية للشاعرة ، تحاول فيها أن تسنطق الحرف ،وتعبر عن طريق الصورة الشعرية/ المشهد ، بحكمة ، مغزى ، مرمى تنشد له وإليه ، فجاءت تلك الومضات ملئية بالمشاعر الإنسانية العميقة .. بكل زخمها ومافيهامن سعادة وحزن ، لقاء وفراق ، عذب وعذابات .. تصوره الشاعرة في ومضات شعرية خاطفة ، وصور جزلة ..
وقد يعتري القارئ من أول وهلة لتك الومضات ، موقف من من هذه البساطة في الطرح ، ولكن ما إن بتعمق في الصورة البسيطة حتى يغير مفهومه لهذه البساطة ، فليس كل بسيط سهل ، فالعمق نجده في مجمل الصورة وارف وطارح ثماره بنكهة خاصة تحمل كما ذكرنا الحكمة ، كما تحقق المتعة المنشودة من الومضة الشعرية الخاطفة .
تقول في المقطع الأول :
عندما تفقدُ المعنى
لا تتكبد
مشقة الحرفِ
فالحياة
تبدأ بفرحة
وتنتهي
دومـًا بحتف
وما بـَدا منك
من قسوةٍ
كان بالأمس ِ
كل اللـّطفِ
يداعب حرف الفاء الصورة الشعرية بجزالة .. لستنطق الصورة ويعطيها عمقا أحسنت الشاعرة في صنعه .
وترسم في المقطع الثاني صورة رائعة للحزن ، الممتزج فيها وهي تقول :
يقولون لي
لاتـُمْطِري حـُزْنا
ولا يدركون
أن الحزنَ يـُمْطِرُني
يـَحْمِلـُني في سمائِه
ومِن آنٍ لآخر
يـُرْعـِدُنِي
في هذاالمقطع تتجلى البساطة العميقة ، طارحة صورة جميلة متقنة ، فيتحول الحزن لكوني يرعد بسمائه .
وفي المقطع الثالث نجد صورة تتقطرحكمة ، وتثير الدهشة بغرابتها وحبكتها وغزلها وهي تصرخ :
تـَشـَبـَّثَ
بذيلِ قلبي
بأظافرِهِ فأدْمـَاهُ
وأنا فقيرةٌ
ليس لي قلبٌ
سواهُ
فـَرَفـَيـْتـُهُ
وتفاديـْتُ بروحي
خـُطاهُ
صورة غنية بتصوريها المغاير .. رغم بساطة مفرداتها إلا أن الشاعرة بخيالها الخصب تنسج لنا بالكلمات صورة تستدعي التأمل والتوقف أمامها طويلا لما تحويه من خصوبة .
وفي المقطع الثامن  والتاسع تبرز قدرة الشاعر على استنطاق الحرف ورسم الصورة المنحوته من نهر الحكمةوهي تقول في المقطع الثامن  :
لم يكتفِ بالحلم
وبأني سيدته
أراد أن ينتزعني منه
أن يجعلني أسيرة
ولا يدري
أني انتزعته
من الحلم قبلا
ولم يعد سيده
بل أسيره

وترسم لنا صورة تعبر عن اعتزاز بالنفس وقدرة على مواجهة الحياة بكل ما فيها وهي تقول بثقة :
لا تعيرني اهتماما
فإني صدقا لا أراك
وامرح كما شئت
فلن أعبأ أبدا بخطاك
ولاتحسب أن العمر
هو لحظات هواك
فأنا حياة
لاتنتهي على أعتاب جفاك
هذه مجرد طلة  على تلك " الأماليات " بما فيها من ثراء ، وما تسنطقه من حكمة في صورة خاطفة ، ترسمها الشاعرة ببساطة تحمل عمقا جميلا ، لتخرج لنا صورة مغايرة للمألوف ، مدهشة بجمالياتها .
إنها شاعرة تجسد تلك العلاقة الملتسبة بين الذات وخارجها ، تدلف بعمق في النفس البشرية ،تواجه بفنية عذبة معترك الحياة بهذه "الأماليات " الطارحة قطرات الندى بعذوبة وقوة شامخة ، من خلال لغة جزلة ، و بساطة محببة ، وصورة مدهشة .

الاثنين، 21 مايو 2012

ثلاثية الموت والحزن والحب في ديوان " رُقيًّة " للشاعر مأمون حجاجي


ثلاثية الموت والحزن والحب

في ديوان " رُقيًّة " للشاعر مأمون حجاجي

محمود رمضان الطهطاوي

"رُقيًّة " هو الإصدار الرابع للشاعر مأمون الحجاجي الصادر عن هيئة قصور الثقافة 2010، سلسلة (أصوات أدبية ) ، بعد ديوانين الأول صدر عام 2000 بعنوان ( دستور) عن الهيئة العامة لقصور الثقافة ، والثاني (احلام للبيع ) عن النشر الإقليمي 2000م ، وطبعة ثانية عن مكتبة الأسرة 2005م ، بالإضافة إلى مسرحية "أزوريس نصير الفقراء ) عن دار الهلال 2008 .
الديوان يضم (22) قصيدة ، يوغل الشاعر في عمق المهمشمين من البشر ، ليتطرق إليهم و يحي لنا حكاياتهم بدءًا من أسرته ، "رقية محمد حسن " أمه ، أقاربه .. بياع الجرانين ، بياع القماش ، بياع الورد ، بياع المناديل ، الدرويش  .
ولاغرابة عندما ندلف في عمق الديوان ، لنتشوف القصيدة ، فتتساقط قطرات الحزن الممزوجة بالموت والوجع والإغتراب والغربة والغياب والفراق والألم ، في مقابل الحب والعشق والحلم .
وبأحصائية لهذه المفردات ، نجد أن مفردة الموت بمشتاقتها وردت في الديوان (37) مرة ، والحزن بمشتقاتها (20) مرة ،والحب (12) ونجد الليل والعشق يتعادلان (10) مرات ،الروح (7)  والفراق (6) مرات ،والشمس (5) ، ويتساوى القتل مع البحر والحلم (4) ، ونجد الظلام والألم والعدو والدم والوجع والغربة والنهار والدموع (3) ، والغدر القمر والجرح (2) ، فحين نجد الوحدة والابتسام والوداع والفقد والأسير والنزيف والصديق والأسى والغياب والهزيمة مرة واحدة فقط .
المتأمل هذه الإحصائية سيلاحظ أن الموت متفرد في الديوان ،ولاجود لمفردة حياة ،وكذلك الحزن لا تقابله مفردة الفرح ولا وجود لها في الديوان ، ونجد الحب المتكرر (12) مرة ، يقابله الفراق (6) بالإضافة  للهجر والجرح والوحدة والغياب والدم .. الخ .
لنكتشف إن القصيدة مسكونة بالوجع الإنساني ، ومنه ينطلق الشاعر ليعبر عن المشاعر الإنسانية ، يفجر براكين الموت والحزن .. في مقابل الحب / العشق الساكن في بحر لجي من الفراق والنزيف والقتل والحزن والغربة والألم .
وبما أن الموت مصاحب للألم والفراق والغياب والنزف والجرح والغربة ويصادقه الحزن ، وفي المقابل نجد لحظات الحب التي تعرف على الوجع الإنساني أيضاً يقابله الإغتراب والفقد والغياب .. الخ
.. سندلف إلى الديوان ونحن متدثرين بهذه الثلاثية ( الموت ، الحزن ، الحب ) لنكشف عن وجع القصيدة الداخل في عمق هذه الثلاثية الممزوجة بهم الوطن ، هم الإنسان ، والمثال يظهر جليا في القصيدة التي تحمل عنوان الديوان ،وفيها يغوص الشاعر بمشاعره لفقد أمه ( رقية محمد حسن ) فيقول في مطلع القصيدة : الليل صاحبته/ كشفت له حزني/ وجرحي اللي نازف ، فنجد الليل يقابله : الحزن / الجرح / النزف .
ويقول في مقطع آخر في نفس القصيدة : الشمس راحلة/ مات النهار بعدها والنعي في الجرانين/ قولولي بس فين نلتقي /أحبة مش خاينين . لنجد في هذاالمقطع تلك المتقابلات التي تعزف على نهر الوجع ، فالشمس بضيائها ترحل ، والنهار بوضوحه يموت ، والأحبة خونة ، ويصل الوجع إلى منتهاه وهو يصرخ راسما صورة لهذا الجفاف العاطفي بقد الأم : النيل لما عطش الميه يستوردها .
وإن كانت هذه القصيدة النموذج تعبر عن هذه الثلاثية ، و تدلف في هذا الوجع الإنساني ، فكل قصائد الديوان تغرف من هذه الثلاثية .. وتبحر في وجعها ..
فيرسم لنا لوحة موجعة  في قصيدة ( دخول ) التي تجسد هم الوطن : أنا لو صحيح إنسان / كنت شديت الشمس قبلن تموت في المية / وعبيت نور القمر ف جيوبي قبل الأفول/ ولا كنت احتميت باليافطة / المكتوب عليها بالأجنبي / ممنوع الدخول .
فالشمس تموت ، والقمر يأفل ، مجسداً بفنية رائعة تلك الوحة المعبرة عن هذا الضياع ، وهذا مانلمسه في قصيدة ( درويش ) التي تطرح الهم الفلسطيني : ياسمعين صوت روحي بتتألم / فات حدوده الألم / وأحزاني استفردت بيا / دخلتني ف الممنوع/ ألفين يسوع لم فضوا اشتباك / يأسنا المزروع / ياحلمنا المشروع خلف   الجدار العازل .
أما قصيدة ( كمين ) التي تعرف على الهم العراقي فيقول فيها : إنت الوجيعة هزتك/ الجميع أولك / ومدنك دردشة ف الليل/ عشقك محتاج لحيل/ الشوفة نصيب ف البصرة/ سلم لي على الأغراب/ الموهوبين للموت سدى/ المرهونين على كل باب نظرة/ لحظة ماجه خبر قتل الحسين .
أما قصيدة ( كاميرة التصوير ) التي ترصد أوجاعنا العربية ، فيرسم صورة شعرية بانورامية لهذا الوجع : الناس ف غزة بتنقتل/ ولازمة زينة لرأس السنة/ ودمعتين بقشيش من نبض الأفئدة/ الدم مين حفظه الأناشيد / يهرب ومطمن على الجولان العائدة/ وأنا كل مأرمي أحزاني خلفي / ألقاها تتبعني/ وتطلع لي دجلة ف ليل بيروت/ وفي كتب القراءة المرشدة .
وفي ثصدية ( السكة الحديد ) يربط الشاعر الحب بالرحيل والوداع والدموع ، عندما يهمس : قبل  مايؤن الرحيل / أترك إيديك للحبيبة/ تضمهم ساعة تبات/ وأسمع لك كلمتين ف الوادع / وردهم بكام دمعة نازلين بحرقة/ وابتسم اضطراري لزوم الذكريات .
ويواصل هذا الوجع في نفس القصيدة : إيه اللي أجل لي إبتسامتي/ ووراني طريق موتي/ الحلم لما فسرته/ كان منشور على حبال الوجع صوتي .
ويواصل قائلا : والأحبة لم فض لمتهم / غير السكة الحديد / اللي خطين ف روحي/ خطين للأسى اللي ف وشي المحطات/ والمنتهى بجروحي .
لنجد الحب في القصيدة يدلف إلى الوداع والوجع والأسى والجرح والموت ،
حتى في قصيدة ( حروف العطف ) عندما يحاول الخروج من هذا الوجع بالغنا ، نجده يغرق في عالمه الأثير اللمزوج بالحزن والفراق والألم والإنكسار ، فيقول : من تحت رأس الغنا/ اتمليت أحزان/ واتفرقوا النواحيك / وانجر سن القلم / خلف   المل فاتبرى/ فضح انكسارك لكافة المخاليق .
وقصيدة (شاهد نفي ) يرسم فيها الشاعر ببراعة صورة الإغتراب الإنساني ، الوحدة المتجذرة في عمق الإنسان الموجوع ، فيقول : وحدي بلا ضل يتبعني/ واقف باشبه ع البيوت/ صوتي كما الحارة سد/ مرمي جنب الحيط/ وده يموت بلا ذكرى/ بلا امس يفتقده / متغطي كما عوره بالجرانين / لاحس النزيف عابر سبيل/ ولاشال همه حزين حزنه .
أما في قصيدة (البطل)، فنجد إن مفردة الموت تتكرر (13) مرة ممزوجة مع الحزن والغروب والروح والاشتياق والدم .
وقصيدة ( عشق الألاتي ) التي يتحدث فيها عن معشوقته أم الدنيا ( مصر) ، فيتغنى بحبها وجعه الكامن بداخله لإهمالها وخيانتها له ، فينشد : عشقها ده اللي فتني/ وقومها في قلبي قيامة / أمنتها وهي خانتني/ ورتني منها فراق ياما/ ماهي اللي شقت رفتني/ فورثت عشقا وهياما .
ويواصل العزف على هذا العشق القاتل الذي حوله إلى نافايات ، فينشد : أنا اللي نافخ ف ناياتك/ وروحي رايحة ناحياتك/ قتلني شوقي وتسهيدي/ والعشق ماكانشي بإيدي/ وبقيت أنا من نفياتك .
ونجد قصدية ( كلمتين في العشق ) التي تتحدث عن بغداد تنهل من هذا الوجع فيمتزج العشق بالضياع والحداد المرادف للموت .
كما نلحظ ذلك أيضاً في قصيدة (مدد) التي تتحدث عن الشهيد محمد درة .
وفي قصيدة (أحلام للبيع) يرسم صورة لهذه الثلاثية الموجعة معبرا عن هذا الموت الممزوج بالموت والحزن والأسى  : الفجر لاح ع البيوتلم ديك يصيح/جوا العيون بتباا بلاد / وبلاد تموت / على سلك الحدود .. بلاد بتنشر حزنها/ الأهه مش قد الأسى/ كان ليه يموت .
أما تلك القصائد التي يغوص فيها الشاعر في عمق النفس البشرية ليعبر عن هؤلاء البسطاء من عامة الشعب في قصادئ تحمل عناوين : ( بياع جرانين ) مهداه إلى ضحايا سجن أبو غريب ، ( بياع قماش ) ، ( بياع الورد ) ، ( بياع المناديل ) ، ( بياع العرقسوس ) فقد استطاع الشاعر بقلمه بإن يرسم لنا بروتريهات مشحونة بالوجع وهي ترسم صورة صادقة لمعاناة هؤلاء البسطاء مع الحياة بكل قسوتها .
أما في قصيدة ( كتابة ) فتظهر فلسفة الشاعر ورؤيته عندما يهمس : وكيف أنا ابدأ قصيدتي / وحزني أكبر من الكتابة / الحروف بتحون وتهرب .
وعندما يتحدث عن الحبية والصديق يقول : الحبيبة ماهيشحبيبة/ والصديق ماكانش وقت عوزه/ من هزيمتي بيبني فوزه .
ويختم الشاعر ديوانه بقصيدة ( وبس ) ليختم لنا بركان الحزن الجاسم على قلبه وهو يصرخ من اعماقه : هوه الحزن المراوغ /هو بملامحه القديمة/ هو اللي مارق/ وخارج على القوانين/ محتل كل المكنة والأزمنة/ والذكريات الأليمة .
إننا أمام قصيدة ثائرة مسكونة بهاجس الموت ، متشبعة بالأحزان والفجيعة والوجع والألم ، غارقة بين الهم الوطن وهموم الإنسان ، متشابكة ، صارخة في وجهنا بكل صراحتها ، يكل أوجاعنا / أوجاع الوطن/ أوجاع الإنسان ، راسمة بصورة فنية تلك الدراما الإنسانية ، دراما الوطن بكل أوجاعه .


الحرير المخملي.. رواية تجسد السلطة الأبوية المارقة

الحرير المخملي.. رواية تجسد السلطة الأبوية المارقة

محمود رمضان الطهطاوي

عندما تطل على عنوان رواية ( الحرير المخملي ) للقاصة والروائية ( اميمة عز الدين ) تظن إنك ستدلف إلىرواية ناعمة الملمس ، متدثرة بالرومانسية ، ولكن يخيب ظنك وحدسك .. فالرواية تواجهنا من الوهلة الأولى برائحة الموت .
الرواية بمقاطعها السبعة ، هرمية البناء .. تبدأ بالمقطع الأول / القاعدة  ( تنويعات على موت الجد ) رمز الصراع/ الوجع ، سطوة الرجل / قهر الأنثى ، سلطة القرية بتقاليدها الرابطة في مواجهة المدينة المتحررة .
تبدأ الرواية في بنائها الهرمي بموت الجد ، وتظهر الراوية / البطلة / الحكاءة جو المنزل وما يخيم فيه من مشاعر واحساسيس تختلف من شخص لآخر لموت الجد رمز العائلة ،والذي تصفه الراوية وترسم لنا صورته كما تراه : " لم أكن أرى جدي إلا رجلاً فظاً غليظ القلب بيده سوط/غير حقيقي /يلوح به مهدد إيانا عندما يعلو صوت أحدنا عليه "
يرحل الجد .. تاركاً سطوته .. المجتذرة في عمق كل افراد الأسرة ..
الوقوف عند المحطة الأولى / القاعدة ( تنوعيات على موت الجد ) يبرز بقوة مدى سطوة الجد / السلطة الأبوية المطلقة ، التي تقف في وجه الجميع وتلغي كل أفراد الأسرة وتجعلهم مجرد تابعين لا صوت لهم .. ومع ذلك نجد هذا الجد المسيطر المهيمن على هذه الأسرة ، المتوازي مع الشخصية المحفوظية الشهيرة ( سي سيد ) بكل تصرفاتها وإقبالها على الحياة خارج نطاق الأسرة بكل عنفوانها .
وهو الذي كسر عنفوان الجميع بدءا من زوجته كما تصور الراوية / البنت الصغري / رأس الهرم ،والتي تصور اللحظات الأخيرة للجد قبل أن ينتقل إلى مثواه الأخير فترسم عن جدتها : " تشبثت بيد جدي الباردة وتناسيت أنه اضنى فؤادها ونال من انوثتها عندما تزوج مرتين وأصر على احضارهما إلى البيت الكبير أمام عينيها " .
حضور الجد بكل سطوته ، رغم غيابه بموته .. إلا أنه يستمر في حضوره بأثيره على سلوك كل أفراد الأسرة كما توضح الرواية .. وتحاول إبراز ذلك بروية وعلى مهل ، متخذه من هذا القهر الإنساني الذي تجذر بقوة وعنف في كل سلوك أفراد الأسرة وصاحبهم كظل ظليل لا يفارقهم .. نسيجا تنسج منه هذه الرواية الضاربة بقوة في هذا المشكل الإجتماعي ، مبينة تلك الأثار السلبية الذي أحدثها هذا القهر / السلطة المطلقة .
الجد المزواج .. يتزوج أربعة مرات : الأولى ( عطية ) أو عطيات كما يحب أن يسميها وهي ابنه قريته ،وأم (محمود ) والد ( رقية ) البطلة / الراوية .
 الثانية : (حسيبة ) من بر مصر ، أم ( زينة ) الصحفية .
الثالثة : (حبشية ) نوبية أم ( مهرة ) .
الرابعة : ( دنيا) من اسكندرية أم ( رؤوف )  .
لاحظ هذاالتنويع في اختيار الزوجات .. وكأن الجد أردا امتلاك كل نساء مصر من اقصاها إلى اقصاها .. رمز للسطوة وبروز هيمنة الرجل .
في نفس الوقت .. تبرز لنا الرواية مدى الظلم الذي وقع على بنات الدار ، عماتها .. امها .. زوجات الجد .. الحصار الموجع ،والعقاب الأليم لمجرد تحرك مشاعر إحداهن تجاه رجل ، تقول : " فكرة قص الشعر هذه متوارثة في عائلتي فهذا عقاب رادع لمن تسول لها نفسها أن تغري رجلاً ولو بإشارة بريئة أو تحاول أن تشز عن القطيع " .
بل يمتد هذا التسلط وينعكس على رجال الدار .. فنجد الرجال يعانون من هذه السطوة .. فالأبن الأكبر والد البطلة/ الراوية .. يعاني من القهر وسلطة الأب .. فلا يبستطيع التعبير عما يجيش بداخله من مشاعر .. ولا يستطيع أن يتزوج (مريم ) تلك التي احبها .. ومازال وجدانه يتحرك تجاها حتى بعد زواجه وانجاب بنته .. ويمارس هواية القراءة وكتابة الشعر سراً بعيدا عن أعين الأب ..
ورغم تحرر الأبنة ( زينة ) الصحفية بعض الشيء .. إلا إنها تعاني أيضا من تلك السلطة الضاربة في اعماق الدار .. وتطاردها سطوة الأب لتصبح عانس تعاني من الوحدة القاتلة رغم محاولة إندماجها في المجتمع .
أما ( حبشية ) فهي رمز القهر الأكبر في الرواية ، تعاني من مشاكل في جمالها ، فهي من أم نوبية .. وتطاردها العنوسة وتكاد تقلتها ، فلا تجد إلا الحرير المخملي تصنع منه مفارش وملاءات ، وعندما يهبط لها عريس من السماء على يد الأبن (رؤؤف) ابن الزوجة الإسكندراية الذي يعود بعد موت أبيه باحثا عن اسرته ليندمج معها وبعد صراع لايستمرطويلا يندمج في الأسرةويجلب لحبشية عريسا ،ولكنه يموت قبل الزواج فتصاب بالجنون .
وتكبر ( رقية ) ويزوجها والدها الشاعر الفاشل من ابن أحد الأثرياء .. رغم عنها .. وتكتشف بأنه عنين .. ويقتل في حادث غير متوقع .. وتتهم بقتله .. وتبرأ بعد معناة .. وفي النهاية تهرب بحياتها إلى القاهرة .
  أما أخاها الذي يعيش في القاهرة مفصلا عن مشاكل الأسرة  يتزوج من إمريكية بترحيب من الأب سرعان ما تطلب منه الطلاق .. و تتركه .
السلطة الأبوية المارقة
الرواية في مجملها تجسد السلطة الأبوية المارقة .. بأسلوب يقترب من الشاعرية .
نججت الكاتبة في رسم  الملامح النفسية لأبطال قصصها .. وإظهار تلك المعاناة التي تعيشها الأسرة من سلطة الأب ،ورغم موته ورحيله ، إلا أن سلطته ظلت متجذرة في كل أفراد الأسرة ، وتحاول الأم أن تقوم بهذا الدور ولكنها تعجز عن ذلك .. بعد إكتشافها إن زوجها متزوج من رابعة بدون علمها .
الحرير المخملي
لغة الكاتبة في معظم مقاطع الرواية شاعرية .. استطاعت أن تجسد مشاعر ( حبشية) التي يبنى عليها عنوان الرواية ، فوظفت ( الحرير المخملي ) توظيفا رائعا في سياق الحدث ، فنجده ملازما لحبشية ، هو سلواها ورفيق وحدتها وغربتها في هذا المنزل الصاخب الذي يعاني كل أفرداه من وحدة قاتلة من أثر السلطة الأبوية القاهرة ، المارقة .
فنجد الحرير المخملي يلازم حبشية في أحزانها وأفراحها ..
نجد الرواية عندما تعبر عن حالتها تقول : " لا أحد يلعب معي أو يحادثني ، عمتي مهرة مشغولة بتطريز مفارش الحرير المخملية " .
وعندما تعبر عن لحظة سعادة حبشية فتقول : " أما عمتي مهرة فهي الآن تعيش أسعد لحظات حياتها بعد أن أتمت مفرش السرير الحريري المخملي المطرز بخيوط السرما الذهبية والمدججة اطرافه بالخرز الملون ... الخ "
وعندما يصلها خبر موت ( اسماعيل) عريسها المنتظر .. تعبر عن الرواية عن هذه اللحظة بقولها : " عمتي المسكينة صنعت الكثير من مفارش السرير المصنوعة من أرق خامات الحرير المخملي ، حينما وصلها الخبر الفاجعة قامت من مكانها وحفرت حفرة كبيرة بفناء البيت الكبير ودفنت كل مفارشها وأهالت عليها التراب " .
وتبرز الرواية ثقافة الرواية التي تفرض بقوة ثقافتها على الرواية .. فنجدها تظهرها وتوتوظفها في كثير من مواقف الرواية دون إخلال ببناء الرواية ،فتظهر ولعها بالأفلام القديمة وحبها للشعر
ورغم السطلة الأبوية القاهرة ، استطاعت البطلة ( رقية ) في النهاية وبعد معاناة وصراع أن تتخلص من هذه السلطة بعد ان دفعت الثمن باهظا وغاليا .. ولكنها في النهاية تنفست حريتها .. وتركت هذا المنزل الخانق الفارض سلطوته وسطوته .. وسافرت للقاهرة / رمز الإنطلاق / الحرية . لتكمل دراستها بالجامعة افمريكية وتدرس الأدب المقارن كما تقول : " بشغف ونهم ولأول مرة وجتني أمسك القلم وأكتب طوال الليل ، أكتب عن كل شيء صادفني في حياتي ، وعن ذكرياتي باليت الكبير وهن الحب والرغبة والحرية " .
لقد استطاعت ( رقية ) الإنعتاق من الأسر من السطلة الأبوية ، بعد صراع .. هذه الحرية هي التي منحتها حرية كتابة ذكرياتها بكل ما تحويه من أوجاع .
نجحت الكاتبة في إبراز الصراع بين عالم القرية المتمثل في السطلة الأبوية القابضة على الروح ،وبين عالم المدينة المتحرر المتمثل في الأخ (فارس) والعم (رؤوف) ، ونجحت في تلك المقابلة بكل تناقضاتها .
الرواية بكل ماتحمله من مرارة وصراع وأوجاع .. تقدمها لنا الكاتبة بأسلوب شاعري ساحر ، يبرز جماليات لغة السرد .




مقطع من روايتي ( اسيرة )

-1-
      جربت كل الطرق للانسلاخ منك .. كُلها قذفتني بداخِلُك .
يا للوجع الذي يجتاحني ، يسحقني ، يدمر كل خلاياي ، ينخر في جسدي ، روحي كالسوس ، هجم عليّ المرض .. مرض لعين ، أفقدَ كل المناعة بداخلي ، جعلني استسلم .. لا أملك إلا الاستسلام . 
     حاولت الهروب منك !! كيف ؟! . يحتاج هذا إلى مجازفة .. مغامرة .. قد تكلفني الكثير .. أحتاج إلى تغيير دمي ، أحتاج إلى الانسلاخ من جلدي ، احتاج إلى تبديل عظامي ، أبتر قلبي هذا العضو المراوغ ، أتسلل من روحي .. ألم أقل إنها مغامرة ، تحتاج مني أن أتبدل ، أغيرني ، ومن يضمن بعد ذلك لي الشفاء ، سأجدك قطعا في دمي الجديد ، وجلدي المتخلق تواً ، وعظامي الطازجة ، وقلبي الأخضر ، وروحي المتجددة ، كيف لا .. وأنا أتنفسك مع كل شهقة ، ولا أستطيع إخراجك مع زفيرها ، نعم جربت كل طرق الانسلاخ منك ،وكلها تقذفني بعنف داخلك ، أتدثر بك ، أتكور بداخلك، أهرب منك إليك ، لا لن يفلح البُعد عنك ، تجربة فاشلة ، تقربني منك أكثر .. فعلتها كثيراً ،وفي كل مرة أشعر بالاحتياج إليك أكثر من ذي قبل ، فراغ وحدتي وأنا أحاول الانسلاخ .. التمرد .. يجذبني إلى أعماقك .. يدلف بي إلى وجعي .. أنت وجعي .. وجعي بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ واسعة وضيقة ، قريبة وبعيدة ، بكل ما ترسمه من إسقاطات ، ودلالات ومفاهيم ورؤى ، اشعر بابتسامك تُرسم على وجهك الآسر وأنت تقرأ كلماتي ، دائما كنت تفعلها وأنا أخرج أمامك بعض الكلمات التي خرجت مني .. من تأثير أسرك ، احتوائك .. دخولك في أعماقي ، توحدنا ، فأشعر وكأنني أكلم نفسي ، تدخلني وأدخلك ، هكذا قلت لي يوما ، وأحسست .. تتسع الابتسامة على وجهك وأنت تعطرني بها وتداعبني تلك الكلمات .. أنا الآن جالسة في حجرتي ، أحاول الانسلاخ منك ، أحاول انتزعك مني ، أمارس تلك الرياضة الروحية .. الهجر .. أتقوقع داخل غرفتي ، أحاول الانهماك في متطلبات البيت، أقوم بترتيبه أكثر من مرة ، أدخل المطبخ أمارس أي شيء .. أي طعام ، أصنع رغما عني تلك الأكلة المحببة إلى قلبك ، أقدمها له هذا الذي يشاركني الدار ، أَكل ونَهض وجلس أمام التلفزيون يشاهد مسلسل الظهيرة وهو يزعق : (( الشاي يا ست )) ، لم يقل لي كلمة واحدة ، هل أعجبه الطعام أم لا  ؟ ! . لم يشكرني ، لم يجاملني بكلمة ، مازالت تلك الكلمات محفورة في كياني.. عندما قدمت لك السندوتشات في النادي ، وأخذتها وكنت تقضمها بلذة ، قلت لي مرارا في لحظات توحدنا :
    - مازال طعم السندوتشات في فمي ..
      تدغدغني كلماتك .. يا ه .. أنا أريد الانسلاخ منك ، أقوم بترتيب البيت مرة ومرة .. تطاردني في كل أركان البيت ملامحك ، تطل عليَّ من كل الأشياء ، من دخان الطعام على النار ، من صنبور المياه وأنا أغسل الأطباق ، ومن دوران الملابس في الغسالة التي تصحن قلبي مع دورانها .. أشعر بوجع يجتاح كياني ، أتفف ، أهيم في البيت كالمجنونة ، أنتقل من غرفة إلى أخرى ، أتمنى أن أقفز ، أطير في الهواء إلى حيث أنت أرتمي في حضنك ، قلتها لك ذات يوم : أتمنى أن أرتمي في حضنك ، تحضنني بقوة ، بعنف .. ليتك تأتي هذه اللحظة ، ليتك تهاتفني، تنتزعني من وجعي، من عنادي ، افعلها ، هيا يا حبيبي ، لاشك أنك تشعر بي ، تحس بوجعي ، تعرف غبائي ، رعونتي ، هيا .. أخرجني من هذا الوجع المتسربل في أعماقي، أنزعني من نفسي العنيدة .. إلى كيانك .. احتويني لأشعر بالأمان .. لا .. لا أريدك .. أريد أن أشفى من هذا المرض العضال ، دعني أتحرر من أسرك .. سأمارس تلك الرياضة العنيفة .. الصبر .. سأروض نفسي .. سأغير جلدي .. سأجعل دمائي تنزف إلى آخر قطرة وسأشتري دماء جديدة .. بنوك الدم كثيرة .. سأسحق عظامي بـ " الهاون " وأقدمها لفراخي الصغيرة  الكائنة في منور البيت ربما تجد فيها غذاءا شهيا ، سأنزع قلبي هذا المعاند ، المشاكس وألقيه في مأوى الزبالة الكائن آخر شارعنا لتأكله الكلاب ليلاُ ، أما روحي تلك الهائمة في حضرتك ، الحافرة كيانك بداخلها .. سأطردها .. سأجعلها تتسول من دوني ، حتى تعرف مقداري  وتعود ذليلة كسيرة بعد أن تتسكع في الطرقات والشوارع بلا مأوى ، بعد أن تشعر بالتشرد والوجع ، بعدما تعرف أنها معي في أمان ، ربما تطيعني بعد ذلك ، سأجرب كل شيء للانسلاخ منك .. مهما كلفني الأمر . سأتحداني ، وأعلن تمردي علىَّ .. عصياني .. سأجرب كل المسكنات العضوية واللاعضوية ، وإن لم أستطع سأقتل نفسي وأتخلص من هذا الوجع .. ولكن أخشى أن أجدك في قبري ، أجدك مقتولاً معي ، تشاركني الحياة الأخرى .. لا يا حبيبي .. إلا أنت ، أنا لا يهم ، أما أنت فعش حياتك ، جرب مع أخرى ، ستجدها .. من لا تعشقك ياحبيبي؟؟  ، من لا تتمنى أن تُحبها .. لا .. لا تحب غيري ، قلت لي من قبل .. أنك لن ولم تحب أنثى غيري ، أنا الوحيدة الذي حركت مشاعرك ، وسكنت فيك كما سكنت فيَّ ..
      لا .. لن أقتل نفسي حتى لا تفعلها مثلي ، يكفي أن أبتعد عنك .. أو بمعني أدق : أحاول الابتعاد عنك .. الانسلاخ منك .

من حكايا امبراطورية المساخيط


من حكايا إمبراطورية المساخيط

الكائن الهلامي

     توقفت قنوات التلفاز المحلية عن بث برامجها المعتادة ، وأطل المذيع بوجهه الذي يتصفد عرقاً ، محذرا الناس من صنابير المياه وطالبهم بالإبتعاد عنها وعدم فتحها حتى يصل الفريق المكلف إلى حل لغز هذا الكائن الهلامي الغريب.
ولكن بعد فوات الأوان ، فهناك عدد كبير راح ضحية هذا الكائن الهلامي أحمر اللون الذي ينساب من الصنابير ، ويتشكل على هيئة حيوان مخيف ومخالب فتاكة ويفترس كل من يجده أمامه من كائنات حية .
القناة الفضائية الوحيدة التي نقلت للناس صورة هذا الكائن ، وتناقلتها جميع الفضائيات ،  هي قناة " الجزيرة " كائن يشبه طائر البطريق ، بدون رأس ، له عين واحدة في وسط جسده ، وفم يتشكل عندما يمسك بضحيته ، وتبرز الأسنان الحادة ،  يقفز قفزاً عندما يمسك بضحيته ، تستطيل مخالبه وتلتف كالأفعي تعتصرها .
انغرست قناة "الجزيرة" بمراسليها في قلب الحدث ، تنقل للمشاهد رعب الناس من هذا الكائن الهلامي المخيف ، البشع ، وهو يفتك فتكاً بضحيته وهو يعتصرها ويشرب دماءها وينهش في لحمها ويقرمش عظامها ثم يسقط على الأرض ليتحول إلى قطعة لزجة سرعان ما تتبخر ولم يتبق في المكان إلا بقايا دم من أثر الضحية .
وسائل الإعلام المحلية تؤكد للجميع بأنه لاخوف من شيء مادامت الصنابير مغلقة ، استمر هذا الرعب أياماً ، ولكن الناس تحتاج إلى ماء ، ماذا يفعلون ، عندما اقتربوا من الترع والمصارف تحولت المياه إلى لون أحمر ، لزج بدأ في الإنتفاخ ، هرول الناس بعيداً عن الترع والمصارف ، خرجت الكائنات الهلامية أكلت الأخضر واليابس وبركت على الأرض تقهقه وهي تتبخر ولم يبق إلا الأرض المحروقة الخالية من اللون الأخضر .
ماء النيل الذي يجري في هذا الشريط الطويل بطول البلاد ، عندما اقترب الناس منه وجدوا المياه تجري بسرعة الطوفان ، وتختفي ، كأنها تبخرت ، وتشقق باطنه ولم يبق منه إلا رائحة السمك الذي تعفن وفاحت رائحته تزكم الأنوف وانتشر الذباب والحشرات بطريقة مفزعة من آثار السمك العفن ، ورائحة الدماء التي خلفها ضحايا هذا الكائن المفزع .
علم الناس من مصادر وثيقة أن الكائنات الهلامية تكاثرت عند مصب النهر في الجنوب البعيد وبنت بأجسادها الهلامية سداً يمنع دخول الماء إلى النهر .
توقفت مصانع المياة الغازية ، ونفدت زجاجات المياة المعدنية ، ولا حل أمام الحكومة إلا استيراد كميات كبيرة من المياة المعدنية لتحل الأزمة مؤقتاً لحين حل المشكلة والتوصل إلى سر لغز هذا الكائن الهلامي .
لا يصرف لكل مواطن أكثر من زجاجة في اليوم ، وبعد عدة أيام قررت الحكومة أمام العجز الكبير في استيراد زجاجات المياة ، تخفيضها إلى زجاجة كل ثلاثة أيام ، انخفضت إلى زجاجة كل أسبوع. ولا تنسى أن تؤكد للجميع إنها تسعى وتبذل كل جهودها لمعرفة سر هذا الكائن العجيب وإن كان حتى الآن لم تعثر على دليل مادي وراء هذه الظاهرة الغريبة ، رغم استعانتها بخبراء من كافة الدول المحيطة والصديقة والعدوة .
شهور مضت والناس تعيش في توتر وقلق وهلع ، وعطش ، انتشرت الأمراض الجلدية ، وكثرت الحشرات في الشوارع من رائحة الحيوانات النافقة الملقاة في كل مكان ، وكثرت حالات الوفيات نتيجة نقص الماء والغذاء ، بعد أن قضت الكائنات الهلامية على كل أخضر ، ورفضت الدول المجاورة استقبال النازحين عبر حدودها واكتفت بتقديم المساعدت الرمزية من طعام مجفف وخبز ومياه.
  مصور قناة الجزيرة الذي يقوم بتصوير بعض اللقاءات على الحدود ، وهو يقوم بفتح زجاجة المياه المعدنية ليروي ظمأ الجسد المهنك من الشمس الحارقة ، صرخ وهو يلقي بالزجاجة على الأرض ، نظر الناس إلى الزجاجة وجدوا لون المياه يتغير إلى اللون الأحمر الداكن وتخرج المادة اللزجة متدفقة من عنق الزجاجة وسرعان ما تشكلت إلى حيوان هلامي قمئ ، جال بعينه النارية ، ومد يده التي استطالت وجذب بها المصور ، واعتصره بين ذراعيه ، يمص دمه وينهش في لحمه ويقرمش عظامه ، ثم يسقط على الأرض بعد أن أطلق صيحة سقطت لها قلوب كل المرعوبين الذين وقفوا في ذهول يشاهدون المشهد ، وسرعان ما تبخر ولم يبق إلا آثار بقايا دماء على الرمال .
جفت منابع الماء ، وعم الخراب وتفشت الأمراض ، وما زالت الحكومة والمنظمات الأهلية والدولية تسعى وراء حل لغز هذا الكائن الذي قضى على الحياة في تلك البقعة العامرة بالماء ..
واعتمد الناس على طعامهم على تلك المعلبات التي تأتي من خارج البلاد ، وزجاجات الماء التي تفتح بحذر خوفاً من خروج هذا الكائن الهلامي القاتل الذي خرج من قبل لمصور قناة الجزيرة وقضى على حياته .
في ليلة شتوية غائمة ، والسكون يعم أرجاء البلاد ، إلا من خربشات الفئران المنتشرة في كل مكان ، تلك التي توغلت وأصبحت تشكل خطورة على حياة الناس ، فاضطر الناس إحكام غلق منازلهم وسد كل النوافذ حتى لا تدخل الفئران فتزيد الخراب خراباً .
فجأة سمع الناس صراخ خازن مخزن المواد الغذائية الساهر أمام المخزن الكبير وسط المدينة ، فأطل الناس من بيوتهم ليعرفوا سبب صراخه ، وراعهم ما شاهدوه ، فهرولوا داخل منازلهم وأغلقوا المنافذ بعد أن اجتاحهم الرعب ، تحول الغيم في السماء إلى وحوش تحلق في السماء وتكشر عن أنيابها ، وسرعان ماهطل المطر غزيزا ، تحول المطر إلى كائنات هلامية لزجة ، جابت الدروب والشوارع باحثة عن وليمة ، وقبل أن يدلف حارس مخزن المواد الغذائية إلى الداخل اصطاده كائن هلامي ولم يترك من بقاياه شيئاً وسرعان ما تبخر .
 انتشر رجال الشرطة في كل مكان يصوبون بنيراهم على الكائنات الهلامية ، التي تتمزق بفعل الرصاص الحارق ، وسرعان ما تقوم تلملم الأشلاء المتناثرة ، وتنهض وهي أكثر بشاعة ، وأمام جحافل الغزو هرب رجال الشرطة بمدافعهم الثقيلة وعرباتهم المجهزة ، وفي الصباح ومع سطوع الشمس ، سقطت الكائنات الهلامية على الأرض وسرعان ما تبخرت.
أهل الخبرة والرأي علموا أن هذه الكائنات تتأثر بالضوء الشديد الذي يعمل على تذويبها وتبخيرها ، ماذا يفعلون والبلاد تسبح في ظلام دامس يعمها ، فوضعت الحكومة في كل شارع مولداً كهربائياً يعمل بالغاز يضيئ الشوارع قبل حلول الظلام .
عندما قام البعض في أحد الأحياء بالتخلص من المخلفات والحيوانات النافقة في بالوعة المجاري ، وأثناء عملهم خرجت الكائنات الهلامية من بالوعة المجاري، وحصدت أرواح معظمهم ، وأثارت الهلع في كل أحياء المدينة ، فحاصرتهم الشرطة بكشافاتها وسلطت عليهم الأضواء فسقطوا على الأرض وذابوا .
سمع الناس عن العجوز الذي يسكن الجبال ، وبجواره بئر يشرب منها ولم تمسسها الكائنات الهلامية ، شدوا الرحال إليه ، قبل أن يتحدث أحد منهم أشار لهم إلى البئر هرولوا إليها وتزاحموا وتقاتلوا وسقط من سقط تحت أقدام المهرولين ، وبعضهم قتل تحت الأقدام ، والعجوز ينظر إليهم وعلى وجه ابتسامة لا تفارقه .
شرب من شرب ، وعبأ الناس زجاجاتهم وأوانيهم والبعض أراد أن يستحم ويتطهر ، الكل يتسابق ، سمعت الحكومة عن البئر وعندما ذهبت وشاهدت تدخلت لتنظم توزيع الماء على الناس ، ولكن الطابور طويل ، والناس عطشى .
قامت الحكومة بتعبئة الزجاجات وتوزيعها على الناس وهي تطالبهم بعدم التبذير في المياه حتى لا تنضب البئر فهي الأمل الوحيد حتى تجد حلاً لهذه الأزمة المستعصية ، واللغز المحير .
سرعان ما تحولت الصحراء والجبال القريبة من البئر إلى منطقة آهلة  بالسكان ، بنى الناس بيوتهم من بقايا أخشاب جلبوها من المدن المجاورة ، وأصبحت المدن شبه خاوية ، كل شيء توقف .
حياة أقل من البداوة ، لا هَمَّ للناس إلا بعض المعلبات التي تملأ الجوف ، وبعض الماء من البئر الوحيدة التي لا تنضب ولا يقل فيها الماء رغم ما أخذ منها للملايين التي ازدحمت حول البئر وسكنت .
لا عمل .. لا زرع .. لا كهرباء ..  الحياة توقفت تماما ، بات حُلم البعض الحصول على بطاريات صغيرة لتشغيل ردايو الترانزستور الصغير لمعرفة آخر الأخبار .. وليطل منه على الدنيا بعد أن أغلقت الحدود ورفضت كل الدول استقبال أحد من سكان البلاد والإكتفاء بما تقدمه من مساعدات .
خرج الناس مهرولين من بيوتهم الخشبية نحو الجبل ، بعد أن سمعوا أحد الجنود المكلفين بحراسة البئر يجري مهرولاً مذعورا بعد أن ألقى بسلاحه على الأرض وهو يصرخ : يوجد كائن هلامي بالبئر ، يوجد كائن هلامي بالبئر .
العجوز لم يعبأ بكلام الجندي ، ولا بالذعر الذي أصاب الناس ، وأتجه ناحية البئر ، وأطل برأسه ، وتأمل البئر ، ثم رفع رأسه إلى السماء متمتما ببعض الكلمات ، وعلى وجهه ابتسامته التي لا تفارقه والتي تفترش كل مسامات ووجهه .
عاد الناس إلى مراقدهم بعد أن هدأ من روعهم الضابط الذي شاهد العجوز يبتسم بجوار البئر فأقترب منه على حذر فعلم أن الذي أحدث صوتاً إحدى الضفادع التي تعيش في شقوق البئر .
كانت مفاجأة للجميع تلك التي أعلنها البروفسير الروسي الذي حضر ضمن اللجنة المكلفة بالبحث عن السبب وراء ظهور هذا الكائن الهلامي الغريب .
قال للجميع : إن ماحدث بفعل فاعل ، النهر العظيم تم تحويله بفعل فاعل بعد أن حفروا له في الأعماق وسحبوه بشفاطات قوية وتم تخزينه في خزانات تحت الأرض صنعت خصيصاً منذ أعوام طويلة ، وحدد موضعها على الخريطة التوضيحة التي رسمها ، أما الكائنات الهلامية فهي كائنات دقيقة من خلايا قابلة للتكاثر السريع والتشكيل تدخل فيها العلم وتم وضعها في خزانات المياه بفعل فاعل وفي الترع والمصارف والجدوال .. وهي لديها القدرة على التكاثر السريع ولكن عندما تأكل تذوب مرة أخرى وتتبخر .
ووعد الجميع بتوضيح أكثر عندما تكتمل لديه الرؤية ، فقط يريد مهلة لا تزيد عن أيام ليثبت للجميع ما توصل إليه .
في الصباح اختفى البروفسير الروسي ، ولم يُعثر له على أثر ، ولكن الغريب والمدهش أن الناس هرولت نحو مجرى النهر بعد أن طاف رجال مكلفين من الدولة يبشرون الناس بأن ماء النيل بدأ في التدفق عبر مجراه العطش ، وبحذر اقتربوا من الماء الذي تدفق ، وسرعان ما نزع بعضهم ملابسه وقفز في المياه المتدفقة.
وتم تطهير الخزانات من الصدأ وبقايا عفن ، وتدفقت المياه عبر الصنابير ، وعبر الترع والمصارف لتروي الحقول ، تعيد الحياة للأرض الخربة ، وتدفق الناس عبر الحضر ، يغنون للماء أصل الحياة ، ويتعاملون معه بحرص .. لا تبذير فيه ، ولا إلقاء قاذورات في النيل .
ووقف العجوز في الصحراء وحيدا يتمتم بكلمات مبهمة وهو واقف أمام البئر وحوله بقايا بشر رفضوا الرجوع مرة أخرى للمدينة وعمروا الصحراء و بدأت الخضرة تزحف على الرمال .
ورغم كل مافعله الكائن الهلامي المقيت ، إلا أنه لم يبق منه إلا الذكرى وحكايا الناس التي لا تنتهي .
قصص وحكايات وأفلام لاحصر لها ، ولكن السؤال الذي يؤرق رجال الدولة والناس : هل يمكن للكائن الهلامي العودة مرة أخرى ؟ .
همست الإمبرطورة بعد أن انتهى وزير السمر من سرد القصة ، قصة ممتعة يا وزير السخافة ولكن نريد قصصا أقوى من ذلك ..
سمعاً وطاعة يا سيدتي .. سأقص عليك قصة حيطان الجبل .