الخميس، 15 نوفمبر 2012

سيد الوكيل في " الحالة دايت " بين الناقد والأديب



سيد الوكيل في " الحالة دايت " بين الناقد والأديب

--------------------------
جريدة القاهرة – العدد 638 الصادر في 4/9/2012م

محمود رمضان الطهطاوي

إن كانت الرواية الوالجة في عمق التاريخ مازالت غائمة بين المصطلح لم تحدد أركانها بعد.. وإن كانت ملامحها محسوسة. فالسيرة الذاتية التي سطت وبرزت في الفترة الأخيرة بقوة.. تعاني هي الأخري القبض علي تعريف دامغ لها يؤطر لها ويؤدلجها. وإن كنت ضد الأدلجة.. وترك العمل يكتب نفسه.. ومن ثم يضعه الناقد والقارئ في إطاره حسب قدرته علي الاستيعاب. الأهم من هذا الصراع، أن يكون العمل مؤثرا.. ووالجا في عمق النفس البشرية، يحقق المتعة التي هي الهدف الأول الذي يسعي خلفه القارئ.. ثم الرؤية/ الفكرة / الهدف.. الذي كتب من أجله العمل. سيرة الموت والكتابة الروائي والناقد (سيد الوكيل) في كتابه (الحالة دايت.. سيرة الموت والكتابة) الصادر عن سلسلة الإصدارات الخاصة برقم (92) التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة، يدلف بنا في حالة يتطرق فيها للموت.. ويتحول الموت للبطل الفعلي لتلك السيرة الوالجة في عمق الذاتي والغيري، يستنطق من خلالها الموت بكل وجعه دامجا بين شطري : ( الرواية / الحكي، النقد / الرؤية )، مقسما عمله إلي ثلاثة مقاطع تحمل عناوين دالة : " كتاب الموت "، "كتاب الموتي "، " كتاب الكتابة " في الجزء الأول " كتاب الموت " تبرز روح الراوي الذي يتطرق لسيرة الموت، موت الأب، موت الأم، تطل رائحة الموت بعمق ويكتبها متدثرة بثقافته فتظهر الذاتية التي تتطرق للأب والأم وأصدقاء رحلة الأدباء بأسمائهم الحقيقية. وفي الجزء الثاني "كتاب الموتي" يتحول للسيرة الغيرية، فتطرق لموت أصدقاء الحرف بروح الناقد وهو يتطرق لكتاباتهم بجانب الملامح الإنسانية في شخوصهم. وفي الجزء الثالث " كتاب الكتابة " يدخل بنا في منطقة مغايرة متطرقا لسيرة الموت في بعض الكتابات لأصدقاء الحرف. لا يعنينا ما أشار إليه في آخر الكتب بأن العمل رواية.. بل رواية سيرية كما جاء علي غلاف الكتاب (سيرة الموت والكتابة)، فكما قلت أدلجة العمل غير مجدية.. يكفي أن العمل استطاع أن يلج في عمق قلوبنا، ويداعب شظايا الروح.. يكفي أن العمل يحمل رؤية، وحقق هدفاً. ولا مجال هنا لمناقشته كونه " رواية سيرية " أو سيرة دامجة بين الذاتي والغيري. لكن هنا نشير إلي ما طرحه الوكيل عن الموت بروح الروائي وعقل وقلب الناقد، استطاع سيد الوكيل بخبرته في المجالين أن يقدم لنا عملا يجسد الموت ويجعلنا نصطلي علي وجعه بفنية وعبر لوحات تقطر ألما ومرارة. التشبع بالموت سيد الوكيل في عمله المتشبع بالموت، يؤكد لنا من خلال طرحه إنه يعشق كل البشر.. يعشق كل أصدقاء الحرف.. وعندما يكتب عنهم بعدما غيبهم الموت بجسدهم، حاول أن يستنطق حرفهم، يسترجع ذكرياتهم ليعودوا للحياة، فالكتابة خلود. " الحالة دايت " كتاب يضرب علي وتر الموت ظاهرياً.. لكنه يجسد مشاعر حب فياضة لكاتب يعشق الحياة، وهو عندما يتحدث عن الموت كما يشير في اللحظات قبل الأخيرة لرحيل والده في المقطع المعنون ( مقبرة العائلة ) يقول عن الموت : " الأرض رحم كبير نعود إليه فيما يشبه الحنين إلي الأم "ص14. صورة ناعمة ورقيقة للموت يرسمها الكاتب في أصعب لحظات الوجع الإنساني / رحيل الأب. ويخاطب والده بعاطفة جياشة في مقطع "صيد العصافير" ويهمس : "لا تخجل يا أبي من نزواتك الصغيرة. الله رحيم يا أبي. لا تخجل من حياتك السرية، سأحفظها لك وأبقيها كما هي، سرك في بير، لن أقتلك في رواياتي، سأكتب يوما أنك كنت عظيما، وجميلا في أحلامك التي لم افهمها حتي وأنا في مثل سنك الآن، في حبك لعبدالوهاب، وشغفك بصيد العصافير وأقمشة النساء، وعشقك لسامية بنت المفتش، علي الأقل كان ذلك حقيقيا، هو ما تقعله وتؤمن به، علي الأقل كنت حياً.. وقوياً بما يكفي لأب "ص 27 صورة زاخرة بالمشاعر الإنسانية يرسمها الكاتب وهو يسترجع ذكريات الأب الذي رحل. أما مقطع " عيد الأم " فيجسده الكاتب بصورة موجعة.. وهو يتذكر عيد الأم في يوم الاحتفال السنوي بها.. ولأننا نعيش خواء اجتماعيا.. فلا يجد أمامه إلا الفضاء الإنترنتي يبث فيه مشاعره.. ويبحث فيه عن إنسانيته، اسقاط رائع للواقع يرسمه الكاتب بحنكة، يقول علي لسان إحدي صديقات هذا الواقع الافتراضي : " حياتنا كلها افتراضية تقدر تقول لي لما نعيش طول الوقت فيأحلام وخيالات نبقي إيه.. ؟ ". ص 30 أما في مقطع " عرض أخير " فسترجع حادثة حرق مسرح بني سويف الشهيرة. وما إن نأتي إلي الجزء الثاني "كتاب الموتي" حتي نجد الذاكرة المتخمة برحيل الصدقاء تكسب وجعها الإنساني بمرارة.. وهي تستدعي الراحل ابن النوبة "إبراهيم فهمي ومجدي الجابري، نعمات البحيري، محمد عبدالمعطي، محمد مستجاب.. الخ. رموز من ملأت حياتنا بإبداعات خصبة.. قطفها الموت ولكنها تركت خلفها روحها.. روح الكتابة.. يحدثنا عنها الوكيل بروح المحب / الصديق / الناقد، فتحقق هذه الثلاثية متعة وهو يسترسل في الذكريات.. والمواقف الإنسانية متطرقا لإبداعهم الثري. وفي نهاية المطاف يتوقف الكاتب في الجزء الثالث والأخير من تلك السيرة المعجونة بالموت عند بعض الكتابات التي تطرقت للموت - كما ذكرنا آنفا - موغلا في التاريخ بحرفية الكاتب، فارضا ثقافته وهو يكتب لنا مقطعه " أخفاد آني.. وخالتهم الخنساء ". لاشك ان كتاب " الحالة دايت " إضافة لرحلة الكتابة عند سيد الوكيل الذي بدأها عام 1991م بمجموعته القصصية (أيام هند) ثم مجموعته (للروح غناها) عام 1977، وبعدها روايته (فوق الحياة قليلا) في نفس العام، ثم كتابه (مدارات في الأدب والنقد) عام 2002م، وبعدها روايته (شارع بسادة)عام 2008م.

رواية ( امبراطورية المساخيط الفيساوية )



 صادرة عن مركز عماد علي قطري للتنمية الثقافية ومركز المحروسة للنشر بالقاهرة 2012م

دستور إمبراطوية المساخيط
يتألف دستور الامبوراطورية من عدة مواد قابلة للتغيير حسب الحالة والمزاج للمساخيط ، وحسب نوع الضحك ، وكمية الفرفشة داخل الامبراطوية ،وهذه بعض البنود الأولية لدستور امبراطورية المساخيط :
1-      للامبراطورية امبراطورة هي المسئولة عن كل مايدور داخل الامبراطورية من قفشات وضحكات وخلافه (كده وكده علشان الرأي العام ، وأنا بصفتي المتحدث الرسمي عن الامبراطورية حعمل كل حاجة ). واحد بيطل من صفحته وبيقول اشمعني امبرطورة، ليه ميكونش امبراطور ؟. علشان لسه بنقول ياهادي أجاوبه والسلام، علشان نستريح من زن النسوان ياسيدي، لو نصبنا امبراطوراً، النسوان مش حتبطل رغي في الكلام الفاضي، عن حقوق المراة، والعدالة والمساواة والكلام الكبير اللي يوجع القلب، مع أنهن هن اللائي مسيرين الدنيا كلها على واحدة ونص، ويبقى اشترينا دماغنا، ويبقى زيتهم في دقيقهم ومنهم للأمبراطوره، ميقدرش على الواحدة إلا واحدة زيها . صح الكلام ؟، صح ؟!، موافقة ؟!، موافقة، على بركة الله، توكلنا على الله، وآدي بند وخلصنا منه .
2-      ليس للامبراطورية حدود جغرافية، بل تتسع باتساع مساحة الفيس بوك، يعني مفيش حدود، الحدود عاملة عمايلها، حنتكلم في الحدود، يبقى دخلنا في مشاكل وصراعات ونكد، ودا مش هدفنا، إحنا عاوزين نفرفش وننبسط، ما الدنيا زمان كانت سايحة على بعضيها، مش كلنا أولاد آدم وحواء، نسيب بلاد الله لخلق الله، الكل يتجول ويحط ركابه في الحته اللي عاوزها، واللي يحس إنه مستريح فيها، بلاش نتكلم على الحدود والكلام الفاضي واحنا يا دوب عايشين يومين ومودعين، نعيشهم بالطول والعرض في تبات ونبات، ونخلف صبيان وبنات، أو نلعب الثلاث ورقات،  ونترك لهم ضحكات وقفشات، بدل النكد والضرب تحت الحزام وفوقه، وفي النهاية مش واخدين منها حاجة غير الحتة البيضة اللي حتلم الجته . أعتقد البند التاني كده مستريح ومفيش عليه خلاف .
3-      الوزراء ورئيسهم خاضعون خضوعا تاما لتعليمات وأوامر الامبراطورة، ينفذون التعليمات دون مناقشة ( تعليماتي أنا بس احنا نقول تعليمات الامبراطورة أمام الميديا والمساخيط ) طبعا دي مش عاوزة مناقشة ومعروفة زي عين الشمس . عيطلع واحد مساخيطي ويقولي بفزلكة، طيب ما تنصب نفسك امبراطوراً احسن ، من الأول ؟. أقوله : يا أهبل يا مسخوط أنت .. هو المربوط زي السايب، أنا أعمل اللي عاوز أعمله في الظل، من الخلف، ومليش دعوة بالواجهة، المهم أحقق اللي أنا عاوزه من طموحاتي الفرفوشية .
4-      يحق لكل واحد أو احدة الانضمام إلى الجموع الغفيرة للأمبراطورية دون إذن ما دام دمه خفيف ويحب الضحك والفرفشة، ويقرر بمحض إرادته البعد عن النكد، والدعوة عامة لكل العقلاء والمجانين، ويفضل المجانين في المرحلة الأولى لبناء الامبراطورية. ليه المجانين لأن الجنون نوع من أنواع العبقرية، وبيقولوا خذ الحكمة من أفواه المجانين، وأعتقد الإمبراطورية في بداية تأسيسها تحتاج إلى هذه الحكمة، وتحتاج لعقول عبقرية حتى تشب وتكبر ويكون لها كيانها ومكانتها وسط هذا الزخم المائج والهائج .
5-      وزير التمويت ( اللي يموتنا من الضحك ) هدفه الرئيس البحث عن الفيساوية المضحكين والمفرفشين الذين يشبعوننا ضحكاً علشان ننسى جوعنا، عملاً بالمثل الشعبي اللي بيقول : لاقيني ولا تغديني .وهي مهمة شاقة وعسيرة في الأيام الحلوة دي، لكن بعد بذل مجهود غير عادي سنعثر على مبتغانا، ونجد عدداً لا بأس به من المرحين والضاحكين وأصحاب الوشوش البشوشة، ومع الوقت والإصرار ستتحول الإمبراطورية بالتدريج إلى إمبراطورية مرحة وضاحكة .
6-      وزير التعتيم، هدفه تلميعنا بكل الطرق المتاحة وغير المتاحة عبر وسائل الاعلام المختلفة، وده يدفعنا لبذل المزيد من الجهد من أجل بناء إمبراطورية المساخيط الفيساوية .
7-      وزير السخافة، هدفه يبعد عنا كل السخافات التي تدور حولنا، وينقذنا من الذين يحاولون تغيير مسارنا الفكري والمش فكري . فجميع المساخيط على دراية تامة بتلك المحاولات التي تحاول السيطرة الكونية تحت مسميات مثل العولمة، والشورمة ( نسبة للشوراما ) إلخ من تلك المصطلحات التي باتت تغزو حياتنا ونشربها مع الكولا والبيبسي بالهنا والشفا.
8-      وزير المراقبة الصحية، هدفه توفير أمصال الفرفشة، لتقديمها بوجه السرعة لكل مسخوط ومسخوطه يغير/ تغير مساره / مسارها، ويقع / تقع في لحظة نكد . ممكن تحصل في أحسن الإمبراطوريات، واحد / أو واحدة يتجنن/ أو تتجنن، ويفكر/ تفكر في اللي بيدور حواليها من غلاء وبطالة وحروب وصراعات، وقتل وتدمير، ومظاهرات ومشاحنات، والكلام الفاضي اللي على هذه الشاكلة فيحصل له / يحصل لها نوع من الغم يصاحبه نكد، ودا مرض خطير عضال قد يؤثر سلبا على سمعة إمبراطوريتنا الضاحكة، المازحة، القافشة على الآخر .
9-      وزير هدهدة القلوب المسمى مجازا (الشعر) هدفه ترويض القلوب والألفة بين المساخيط ، ودغدغة المشاعر ، فكما يقولون كثرة الضحك تميت القلوب، ومن هنا لزم أن نعيد إحياءها بالقصيد الدافئ . وعلشان منعملش مشاكل دلوقتي، سنؤمن مؤقتا بكل أنواع القصيد، من شعر عمودي عتُل، وتفعيلة، والمطعون في عينه المسمى نفسه نثراً، المهم ألا نختلف من أولها، ونقول كله شعر والسلام، هو يعني حد بيسمع الشعر غير الشعراء أنفسهم . لكن المهمة الشاقة لوزير هدهدة القلوب البحث عن شوية أشعار حلوين يدفوا قلوبنا، شوية شعر فيهم مشاعر وأحاسيس . مش بيقولوا الشعر ما أشعرك .
10-    وزير السمر، وهو الحكاء لليالي الملاح، الذي يجمع لنا الحكايات من مساخيط الفيساوية، ويسمر بها ليالينا ويبهجنا . وطبعا دلوقت بنعيش عصر الرواية، والأقصوصة واللخبوطة، وكل واحد فينا بيكتب روايه، بس أنت قل نويت أكتب رواية ستجد نفسك على طول كاتبها وناشرها، إيه هي الفكرة ؟ مش مهم، القالب إيه ؟، قالب طوب، البناء إيه ؟ مالك مصعبها ليه، ما الفنون كلها تداخلت مع بعض، ومجرد شوية خواطر وتكتب عليهم رواية، يمشي الحال، ماهو دا عصرها وخلطها واشربها، نشرب والسلام، أهو كله يؤدي إلى الضحك، نوع ما من الضحك. أهو نسلي ليالينا ونضحك، مش بيقولوا هم يضحك وهم يبكي، إحنا عاوزين نضحك وبس .
11-    وزير العيب، وهو الوزير المعني بمراقبة أفعالنا ويقول لكل من يخرج عن دستورنا عيب يا مسخوط، عيب يا مسخوطة، ارجع، ارجعي، التقاليد، العادات .. إلخ من الحاجات دي اللي عارفينها، ماهو لازم يكون فيه مربط فرس، مش سايبة . وده ضروري جدا علشان إخوانا بتوع الحسبة، واحنا لسه إمبراطورية صاعدة، معناش فلوس ندفعها للأحكام من جراء الحسبة، ومش غاويين نفرط في حد منا، ونتركه يحاكم ويسجن، علشان كده وزير العيب مهم جدا، يقول لنا هو عيب أحسن ما يقولها واحد في المحاكم وهات شرشحة على صفحات الجرانين، ومرمطمة في طرقات المحاكم، ومصاريف على الفاضي والمليان، ونخش في دوامه نكد تقلق راحة إمبراطوريتنا المسخوطية، على إيه ؟ . يقولها وزير العيب بتاعنا أحسن .
12-    وزير الإنقاذ العام هدفه الدفاع عن حقوقنا وصد محاولات اقتحام إمبراطوريتنا من كلِّ غازٍ، وعليه الاستعداد التام بكل قواته الباسلة من مضحكين ومضحكات لإطلاق النكت والقفشات في وجه كل معتدٍ أثيم . ودي مش سهلة ، دا أكبر سلاح فتاك لو وجهته في كيان العدو العبوس ، يفضل يضحك ، يضحك ، لحد ما يموت من الضحك ويبقى خلصنا منه .
13-    أي مسخوط يخالف قوانين الامبراطورية يعاقب بالطرد من الامبراطورية والنفي خارجها لمدة تحددها الامبراطورة ( كده وكده علشان ماتزعلش ) . وطبعا دا عقاب رادع ، كفاية إنه يعيش وسط الجماعة الندكيين من خارج إمبرطوريتنا ودا عقاب رادع لو كان مساخيطي أصيل مش حيقدر يعيش وسط بركان النكد الخارجي .
14-    يتم تكليف محافظين في كل مقاطعات عالم الفيساوية ، للقيام بمهام تبشيرية هدفها دعوة كل المقاطعات والبلاد المجاورة للإنضمام لإمبراطورية المساخيط . لأن هدف الإمبراطورية هو سعادة العالم أجمع ، وهو هدف نبيل نسعى إليه بكل الطرق ، من أجل انتشال العالم كله من النكد الذي يحاصرهم في كل مكان  .
15-    يُنشر هذا الدستور على صفحات الصحيفة الرسمية للامبراطورية ( الفيس بوك ) ويُعمل به من تاريخ النشر . يمكن تكون عمايله سودة زي قرن الخروب ، ويمكن تكون بيضة زي لبن الحليب ، ويمكن تكون حلوة زي وش الامبراطورة الصبوح ، ويمكن تكون بمبي مسخسخ أو أي لون ، المهم إننا نضحك ، نجد الموقف اللي يفرفشنا ، وزي ماقال الشاعر : وكمْ فيكَ يا فَيْسَ بُوكّ من المضحكات ، ولكنه ضحكٌ كالبكا . ربنا ما يجيب بكا ويجعل أيامنا هنا وسرور ، وضحك وفرفشة ، وصحبة كويسة ، ومحبة محبشة ، وحلاوة مقرمشة.


رواية ( للعشق أوجاع وهذه منها )



 رواية ( للعشق أوجاع وهذه مها
صادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2012م

 (1)
     عندما تصادمت عيناه مع عينيها للمرة الأولى ، بُهت الذي نظر ، وأصابه الوجع ، فقد دخلته الأنثى بعينيها .. لا يدري كم مر من الوقت وهو يبحلق مدهوشاً في هاتين العينين .. أنشطر إلى نصفين عندما وجد كل من حوله يبحلق مثله وينظر إلى هذا الجمال القافز من هاتين العينين السوداوين المليحتين الجريئتين الحالمتين الغجريتين المشعتين بالرغبة .
       نصف لم يستطع مقاومة النظرة ، والنصف الثاني توارى غرقاً في احمرار الخجل .                    
      كل من حولها يبحلق في  جمالهما .
       شباك الحجرة أطل بعينين فاجرتين اخترقتا جمالهما الفتان .
      باب الحجرة نظر بعينين تنطلق منهما الرغبة وقال  :
       -  هيت لك .
      حيطان الحجرة همست برقة دهانها اللامع وهي تأكلهما :
      -  ما أجملهما .
       سقف الحجرة فضح نفسه وهو يفترش بعينيه عينيها .
       اللمبة التي تتوسط الحجرة تداعب بضوء عينيها أهداب العينين المشرعتين .
      المكتب الجالسة قبالته يبصبص عن قرب .
       أما الكرسي فيشعر بالاختناق وهو مقيد تحتها يريد أن ينطلق ، يقفز  ليشاهدهما.       
     حتى الأرض ببلاطها اللامع العاري من الفرش ، أخرجت عيونها من جفونها وراحت تتأمل الجمال القابع فوقها .
      شعر بالغيظ يأكله ،وهو يهمس لذاته :
     - لماذا يبحلقون فيها هكذا ؟! ، لماذا كل هذه العيون تحاصرها ، وتنظر -كل حسب وجعه -، من ينظر بشبق ، ومن ينظر بدهشة ، ومن ينظر بإعجاب ، ومن ينظر بحب ،  ومن ينظر بوله ، ومن ينظر بعشق ، ومن ينظر ويسبح الله الخالق لهذا الجمال .
      لكن الكل يبحلق ، الكل نزع برقع الحياء ، ينظر ، يبحلق في عالمهما في أغوارهما ، في سوداهما الفاحم ، واتساعهما الذي يسع الأرض ومن عليها ، وكأن النظرة تخص الجميع ، وكأن العينين الواسعتين الحالمتين ، الغجريتين ينظران للجميع ، يبثان الوجع للجميع ، يطلقان سهام الهوى للجميع ، يدغدغان ببريقهما الجميع . أجال بصره في العيون وجدها سهاماً موجهة لا تعير له اهتماما ، الكل منشغل بالعينين ، لايرى أحد الآخر ، الكل مشغول بما يرى ، حتى المتقابلان لايرى كلاهما الآخر .
      فالسقف الناظر إلى الأرض لا يشاهد خليلته ، كما كانا من قبل يلتقيان ، يتسامران ، يصافح بعضهما الآخر ، تشكو الأرض وجعها من أفعال من فوقها من عباد الله من بشر وكائنات   ، ويشكو السقف من نار الكهرباء في الشتاء وما يحمله على ظهره من أثاث  معظمه ديكور لاقيمة له .
      أما الباب المقابل للشباك والناظر إليه فما عاد يهمه تيار الهواء القادم له من الشباك ولا عاد يزعجه تراب الشارع ، كل في بلواه ، كل في همه ، كله متجه ببصره وبصيرته إلى العينين ذاتا الأهداب المشرعة يغوص في ليلهما البهيم .
      شعر بالراحة ، وبنشوة تدغدغ جسده ، وبأنه عنتر زمانه ، عندما توغل في نظرتها الواعدة ووجد عينيها مشرعتين تجاهه ، تجاهه فقط ، تبتسمان له وحده ، تمنحانه الحنان وحده ، تخترقانه وحده ، تبثانه شعاعهما وحده ، فقط دون غيره ، فأغمض عينيه في نشوة ، وكأنه غير مصدق ما يدور حوله ، جال ببصره مرة أخرى ، وركز على شعاعهما فوجده مندفعا تجاهه فقط ، صرخ لذاته ، في أعماقه :
-        إنها تنظر لك ، لك وحدك  !!.






حوار مع الفنانة المغربية شروق



"منبر التحرير " تحاورالفنانة المغربية " شروق "

متحمسة لتقديم الإغنية المغربية

مصرمعروفة باحتصان الفنانين خاصة المغاربة

أجرى الحوار : محمود رمضان الطهطاوي

الفنانة المغربية " شروق " صاحبة صوت ملائكي ، تعشق الفن المغربي، وقدمت لساحة الغناء المغربي أغنيات لاقت نجاحا كبيرأ ، بدأتها منها أغنية " الله نور " كلمات محمد الخدير الريسوني وألحان عز الدين منتصر ، وأغنية " علاش الحبيب" كلمات محمد عاطفي وألحان محمد الرياحي ، وآخر ما قدمت أغنية " أح قلبي " كلمات الراحل على الحداني وألحان شكيب العاصي.
كانت بداية الفناة شروق مبكرة ، فقد عشقت الغناء وهي طفلة صغيرة،وشاركت في الحفلات المدرسية، وتعشق الفن الطربي الأصيل ، فتحب الاستماع لنعمية سميح ومحمود الإدريسي وأم كلثوم وعبد الروشيد . وتعشق الغناء المغربي .. وترى أن وجودها في المغرب أفصل بكثير لأنها تواصل رسالتها في إحياء الفن المغربي .
وعن سؤالها عن البدايات .. ذكرت أنها بدأت الغناء ولم تتجاوز ربيعها الثامن ،وشاركت في عدة برامج تلفزيونية وعدة مهرجانات داخل وخارج الوطن ،وشاركت أيضاً في عدة تظاهرات ثقافية .
وتغني جميع الألوان المغربية والمصرية واللبنانية .
وهي سعيدة الآن لأن أغنيها "علاش الحبيب " مطروحة الأن في أسواق المغرب ،ولاقت نجاحا جميلاً .
وبسؤالها عن أن بعض الفنانات بدأن في المغرب وحققن نجاحا ملوحظا ،ولكن عندما انطلقن من القاهرة كانت البداية مختلفة ؟ . قالت : هي الصراحة .. مصرمعروفة باحتصان الفنانين خاصة المغاربة ،والسبب راجع لشركات الإنتاج الداعمين للأغنية ، فنحن في المغرب ليس لدينا مفهوم صناعة النجم، وليس لدينا شركات تدعم الفنان المغربي ,
وبسؤالها هل تأثر الفن بأحداث الربيع العربي ؟ قالت : بالعكس المستمع العربي ذواف للأغنية المتكاملة كلمةولحنا ولكن هذه الغاني لاتلاقي استحسان الشركات الانتاجية لأن الشركة همها الوحدي الربح السريع ، أي انتاج أغاني ماتسميه الأغنية الشبابية الغير هادفة .
وعن شبكات التواصل الإجتماعي ودرها في في التواصل بين الفنان والجماهير ، ذكرت أن لهادوركبير  ،وتضيف لرصيد الفنان وتقدم له صورة واقعية لما يقدمه ، من خلال أراء الجمهور فيما يقدم .
وتؤكد الفنانة شروق أن متحمسة للبقاء في بلدها حتى تحقق ما تريد على المستوى الفني لها وللأغنية المغربية المحضة .

التخاذل غاية في الغرابة



التخاذل غاية في الغرابة
أيتها النخبة الغائبة عن المشهد الثوري .. هل يمكنن للشباب ذوي التجارب المحدودة ثقافيا واقتصاديا وسياسيا أن يحدثوا تغييراً فعليا ؟ .
---------------
جريدة القاهرة ، العدد 647 ، الصادر في 6/11/2012م
-----
محمود رمضان الطهطاوي
وسط هذا الخضم الهائج والمائج من ثورات الربيع العربي .. والذي خفت فيه صوت النخبة الثقافية وسط هذا الصراخ والعويل من القاعدة العريضة من الشعوب التي تمردت على الواقع، وأصبحت لا تسمع إلا صوتها دون أن تصيغ الآذان للنخب الثقافية بكل ما تحمله من فكر ناضج،ومن أسئلة تثور الواقع بحنكة .. وتحاول البحث عن أجوبة تصلح لترميم ما افلت من أمور .. متلمسة طريقها بمنهج علمي .. و رؤى تحمل خبرات وثقافات .
ولكن وسط هذا الحراك المذهل الذي اعطى مساحة شاسعة من الحريات .. بات صوت النخبة خافتاً ..
ونعيد الكرة ولا نستفيد من التجارب السابقة وسط هذا الصخب الموجع .
فعلى سبيل المثال ثورة يوليو أصدرت ميثاقها الذي يثمن دور الثقافة والفكر .. ولكن القائمين على  الثورة آنذاك كمموا أفواه أهل الفكر والثقافة .. واستبعدوا النخبة التي تغرد بعيدا عن السرب، فتحول النظام إلى ديمقراطي شكلا .. وقمعي جوهرا ولباً ..
والسؤال الأهم : هل يمكن لهؤلاء الشباب بتجربتهم المحدودة على المستوى الثقافي والإقتصادي والسياسي، أن يحدثوا تغييرا فعليا بعيدا عن النخبة الثقافية .
مانراه ومانشاهده على الساحة يثير المخاوف على شباب الربيع العربي .. ونخشى أن يصاب هذا الربيع بهرم وهو ما زال يحبو ويحاول النهوض .
لا اعتقد إننا قادرون على صنع تغيير فعلي دون الإستعانة والإستفادة من هذه النخبة من أصحاب الفكر على المستوى السياسي والثقافي والإقتصادي .
مصر  على سبيل المثال تعيش حالة من الفوضى الكلامية بعد ثورة 25 يناير لم تهدأ حتى الآن ،وكأن صنبور كلام انفجر وأصابنا بالغرق ، الكل يتكلم ،والكل يريد ، والكل لا يسمع للكل ، خناقات على الفضائيات بصورة مقززة ، الكل يتهم الكل .. وخرجت الألسنة من محبسها تزمجر وتصرخ وتولول وتندب حظنا العاثر .. فالثورة بعد كل هذا لم تحقق أي شيء إلا قطع رأس النظام .. ومصر لم تتقدم خطوة واحدة ؟ .
ضجيج نحياه ونعيشه كل لحظة .. وخروج عن المألوف من قطع طرق .. وحرق وقتل وسطو .. الخ .
لماذا ؟ لأننا قمنا بثورة نقية .. ولكن لا يواكبها ثورة فكرية ..
كل الثورات التي نجحت وحققت طموحات وأحلام شعبها واكبتها ثورة فكرية بذل فيها مفكريها ومبدعيها أقصى جهدهم من أجل بذر المعرفة .. وتصحيح الأفكار العقيمة التي استقرت في عقول العامة .
تجارب معرفية كثيرة حولنا .. الهند .. الصين .. ماليزيا ومن قبلها اليابان التي بدأت نهضتها المعرفية معنا .. فقط هي تسلحت بالمعرفة .. ونحن سقطنا في بئر حكامنا الذين أرادوا لنا حياة الظلام .
فهل نتسلح بالفكر .. وينزل أصحابه من أبراجهم العالية ليختطلوا بالناس .. وينشروا الوعي والعلم ويساندوا الثورة حتى تخرج من مأزقها الكلامي الذي لو استمر بهذه الطريقة سنغرق .. سنغرق .. سنغرق .
وقليل من توقف أمام الصورة ومافعلته بالكلمة المكتوبة عموما .. فواقع الحال يشير إلى أن للصورة المتحركة دورها الكبير في إزاحة الكلمة المكتوبة والترويج الدعائي لقلة على حساب المجموع .. فظهر في سماء الإبداع أسماء لانقلل من موهبتها .. ولكن تلك النجومية التي ظهرت فجأة و تحولت إلى أسطورة على حساب كتاب وأدباء وشعراء لهم ثقلهم ، وضع الجميع في مأزق .. فيكفي مسابقة في الفضاء الرحب لصناعة نجم يشار له بالبنان ويطلق عليه مسميات لم يحصل عليها أكبر الكتاب في وطننا العربي.. ويتحول للرمز عند الشباب والعامة .. ولعل ما حدث هنا مع الشاعر المصري ( هشام الخج ) خير دليل على غزو الصورة وتأثيرها ، و كيف تصنع نجما بسرعة البرق .. كما حدث عندما قدمت وسائل الإعلام المرئية نجم الأغنية الشعبية (شعبان عبد الرحيم ) و تحول بطريقة فنتازية إلى نجم نجوم الغناء ..
إن الإعلام الذي من المفترض أن يقدم لنا الصورة الواقعية للأدب .. ويساعد على إظهار المواهب الحقيقة ، ويبرز الوجوه المبدعة في وطننا العربي ، بات مضللا بقوة ، ويقدم لنا النموذج الذي يصنعه هو ، والذي يريده هو ، على حساب الإبداع الحقيقي .
نحن في حاجة ماسة لقنوات ثقافية .. تقدم برامج فاعلة وجماهيرية ..  تبرز الوجه الحقيقي للإبداع .. سواء كان قصة أو رواية أو شعر ،وتترك الحكم للمتابع هو الذي يحكم .. وهو الذي يقرر من يكون نجم الشعر العربي ، وأمير الرواية ، وعملاق القصة ..
هو وحده الذي يحدد .. فقط أن تقدم هذه القنوات كل المبدعين من مختلف المشارب .. وتعطي فرصا عادلة .. ولاتكتفي وحدها بصناعة نجم على حساب آخر .. حتى نظهر الصورة الحقيقية للإبداع ولانغبن حق أحد .
حقا فالإعلام يستطيع أن يبني ، كما يستطيع أن يهدم .
يبني إذا إمتثل للموضوعية .. ويهدم إذا خرج عن الحياد .
نحتاج لإعلام موضوعي يقدم صورة فعلية للحركة الأدبية/ الإبداعية في وطننا العربي ، حتى لا نصنع نجومنا استهلاكية / لحظية ، تؤدي دور بطولي /وقتي ، وتنتهي عندما نصنع نجم آخر .
الإبداع بخلاف ذلك ، الإبداع الحقيقي ، حي لا يموت ،ويستمر بعنفوانه وقوته حتى بعد رحيا صاحبه . 
إشكالية المثقف العربي وما يقوم به من دور مهمش في محاولة منه لإثبات حضوره بأي شكل من الأشكال في خضم التغيرات التي تحدث في الوطن العربي .. وبات فيها المثقف مغيب عن الشارع ونبض الجماهير .. وفي محاولة منه لإثبات وجوده يلون كلماته ويلويها ليؤكد بأنه كان من الذين يحملون النبوءة لما يدور من ثورات ، نرى ذلك في خلال المقالات المطولة التي تستشهد بمقولات مطاطية قابلة للتقلب على كل الأوجه .. ومن خلال الحوارات التي غزت الصحف السيارة والمجلات الثقافية ، كل واحد يريد أن يثبت أن ما قدمه من إبداع ومن رؤى كان نبوءة أو إرهاصات لما يدور الآن على الساحة من متغيرات قلبت موازين الثقافة رأسا على عقب ..
الواقع والحقيقة تكشف غير ذلك .. فالمثقف انفصل عن واقعه وغيب نفسه وابتعد عن الجماهير العريضة سواء بما يقدمه من كتابات لا تمت للواقع بالصلة .. أو لمحاولة اقترابه من السلطة ليكون قلما لها ولسانها الذي يغرد دائما دون أن ينظر تحت قدميه .
وقلة قليلة هي التي نجت والتصقت التصاقا وثيقا بنبض الشارع .. ووعي الجماهير .. وهي عازفة الآن عن هذا المولد بطبله وزمره ،ومازالت تواصل دورها في هدوء بعيدا عن وسائل الإعلام الطنانة والرنانة التي تقدم لنا طبخات مستهلكة ، تقابلها الجماهير بسخرية وحزن على مايدور حولها من رطانات قد تعرقل المسيرة .
حتى أصبحنا نكل الوجوه الدائمة على برامج الرغي والسباب والقذف المسماة مجازا " توك شو "
فقدنا المثقف الواعي الذي يحفر لنا بأزميل عقله رؤية واضحة ننطلق منها لصناعة مستقبل الثقافة التي تلبدها الغيوم الآن وما بقي من قلة قليلة تحاول لم الصدع والولوج بعمق في واقع الثقافة العربية ، يخفت صوتها كثيرا وسط هذا الصراخ والعويل .
ومازال مستقبل الثقافة العربية وسط هذا الخلط المقلق غائما لم تحدد له رؤية بعد .. ولم تظهر له ملامح ، الأمر الذي يحتاج إلى جهود جبارة من القلة المخلصة في محاولة لرسم خارطة مستقبل الثقافة العربية وسط هذا المتغيرات المتلاحقة والتي لم تتحدد ملامحها النهائية بعد .
هل نحاول أن نكون جادين ونسعى لملاحقة مايدور حولها ،ونرسم بأنفسنا خريطة مستقبل الثقافة العربية ؟ ، أم ننتظر لتقدم لنا من الخارج بكل توجهاتها التي لا تعمل بالتأكيد لصالحنا ؟!! .
كم الفعاليات الثقافية في الوطن العربي ، والتي تتناثر هنا وهناك ، تطرح القضايا ، وتلملم الرؤى ، وتخرج بالتوصيات ، ولا تتفاعل تفاعلاً حقيقياً مع الجماهير العريضة ، ولاتتواصل إعلاميا مع هذا الكم المقلق من القنوات الفضائية التي تركز على كل شيئ بدءا بالأغاني والرياضة والدراما والأخبار وفي الذيل يوجد هذا العبء الثقيل المسمى الثقافة ، حتى القنوات الثقافية المختصصة لا تتفاعل مع هذه الأحداث ولا تلك الفاعليات وتجاول أن تنقلنا للجماهير للتفاعل معها وتواكب طازجتها وسخونة حوارتها التي تحدث في غرف وصالات مغلقة ،وينفض السامر وكأن شيئاً لم يكن .
وكأن هناك مؤامرة غير مكتوبة لفرض سياج منيع حول هذه الفعاليات التي لا يحضرها إلا النخبة ، ولايتفاعل معها إلا القلة ، ولا يستفيد منها أحد رغم كل مايدور بداخها من عراك ودجال وحوارات هي بكل تأكيد لها ثمارها البناءة ، ولها تأثيرها لو تفاعل معها الجمهور ونقلناها للمشاهد لينهل منها ، ويتوقف عند شواطئها وأنهارها ليرتوي من تلك الفعاليات التي هي خلاصة تجارب النخبة المثقفة .
ولو لم يحدث هذا التفاعل فما فائدة تلك الموالد التي تنفض بمجرد إنصراف القائمين عليها ،وغلق أبواب القاعات ، ووضع التوصيات والأبحاث في الأدراج ، حتى نشر هذه الأبحاث والتوصيات فيما بعد وتقديمها للجماهير العريضة لن يكون له تأثير مثل تأثير الصورة الحية ، فنحن نعيش عصر الصورة ، ولها سحرهاوتأثيرها على المشاهد .
قد لاتملك المؤسسات الرسمية أن توجه تعليماتها إلى القنوات الخاصة وهي الأغلبية والأكثرية وسط هذا الكم الهادر من القنوات تجازو 700 قنتة على النايل سات فقط ، ولكن يمكن أن تتحقق المعادلة في القنوات التي تمتلكها المؤسسات الرسمية ، وتتابع بجد وجدية مثل الفعاليات وتنقلها طارجة إلى المشاهد العربي ، لتتنقذه من هذا الكم الهادر من القنوات التي تسعى بقصد أو بدون إلى تغييب عقله .
ثم لمصلحة من هذا التهميش للثقافة العربية ، لو أهتمت المؤسسات الرسمية بنقل هذه الأحداث والفعاليات كما تفعل مع كرة القدم التي تحولت لبديل ثقافي للجماهير العريضة في الوطن العربي الوسيع ، وإحقاقا للحق هذه ظاهرة عالمية –أقصد كرة القدم – ولكن في الغرب كما يهتمون بتلك الساحرة المستديرة ويقدرون دور الثقافة ويهتمون بنقل كل الفعاليات الثقافية للمشاهد ليتفاعل معها ويشارك فيها بالرأي ، فمتى نفيق من تلك الغفوة ؟
 إننا في حاجة لإزالة هذا السياج المنيع الذي يفصل الثقافة الجادة عن المشاهد العربي ، ويحرجها من الغرف المغلقة إلى الفضاء الرحب ، حتى تكتمل الظاهرة الصحية وهذا الإنتعاش الثقافي ويؤدي دوره المنشود .
أما في مجال التعليم .. فلن تحقق أمة نهضتها المنشودة بدون استثمار طاقة عقولها البشرية .. ولن يأتي هذا إلا باكتشاف موهبة الأطفال منذ الصغر .. وتنميتها بتعليم يزيدها مهارة،ويوجهها التوجيه الصحيح ،ويجعلها تبدع في مجالها وعلى قدر إمكانياتها وقدراتها التي تنمو وتكبر بالتعليم السليم ،وهذا لن يأتي إلا من رسالة تعليمية قادرة على ذلك ،ومعلم مدرب يستطيع توصيل هذه الرسالة .