الحرير المخملي.. رواية تجسد السلطة الأبوية المارقة
محمود رمضان الطهطاوي
عندما تطل على عنوان رواية ( الحرير المخملي ) للقاصة والروائية ( اميمة عز الدين ) تظن إنك ستدلف إلىرواية ناعمة الملمس ، متدثرة بالرومانسية ، ولكن يخيب ظنك وحدسك .. فالرواية تواجهنا من الوهلة الأولى برائحة الموت .
الرواية بمقاطعها السبعة ، هرمية البناء .. تبدأ بالمقطع الأول / القاعدة ( تنويعات على موت الجد ) رمز الصراع/ الوجع ، سطوة الرجل / قهر الأنثى ، سلطة القرية بتقاليدها الرابطة في مواجهة المدينة المتحررة .
تبدأ الرواية في بنائها الهرمي بموت الجد ، وتظهر الراوية / البطلة / الحكاءة جو المنزل وما يخيم فيه من مشاعر واحساسيس تختلف من شخص لآخر لموت الجد رمز العائلة ،والذي تصفه الراوية وترسم لنا صورته كما تراه : " لم أكن أرى جدي إلا رجلاً فظاً غليظ القلب بيده سوط/غير حقيقي /يلوح به مهدد إيانا عندما يعلو صوت أحدنا عليه "
يرحل الجد .. تاركاً سطوته .. المجتذرة في عمق كل افراد الأسرة ..
الوقوف عند المحطة الأولى / القاعدة ( تنوعيات على موت الجد ) يبرز بقوة مدى سطوة الجد / السلطة الأبوية المطلقة ، التي تقف في وجه الجميع وتلغي كل أفراد الأسرة وتجعلهم مجرد تابعين لا صوت لهم .. ومع ذلك نجد هذا الجد المسيطر المهيمن على هذه الأسرة ، المتوازي مع الشخصية المحفوظية الشهيرة ( سي سيد ) بكل تصرفاتها وإقبالها على الحياة خارج نطاق الأسرة بكل عنفوانها .
وهو الذي كسر عنفوان الجميع بدءا من زوجته كما تصور الراوية / البنت الصغري / رأس الهرم ،والتي تصور اللحظات الأخيرة للجد قبل أن ينتقل إلى مثواه الأخير فترسم عن جدتها : " تشبثت بيد جدي الباردة وتناسيت أنه اضنى فؤادها ونال من انوثتها عندما تزوج مرتين وأصر على احضارهما إلى البيت الكبير أمام عينيها " .
حضور الجد بكل سطوته ، رغم غيابه بموته .. إلا أنه يستمر في حضوره بأثيره على سلوك كل أفراد الأسرة كما توضح الرواية .. وتحاول إبراز ذلك بروية وعلى مهل ، متخذه من هذا القهر الإنساني الذي تجذر بقوة وعنف في كل سلوك أفراد الأسرة وصاحبهم كظل ظليل لا يفارقهم .. نسيجا تنسج منه هذه الرواية الضاربة بقوة في هذا المشكل الإجتماعي ، مبينة تلك الأثار السلبية الذي أحدثها هذا القهر / السلطة المطلقة .
الجد المزواج .. يتزوج أربعة مرات : الأولى ( عطية ) أو عطيات كما يحب أن يسميها وهي ابنه قريته ،وأم (محمود ) والد ( رقية ) البطلة / الراوية .
الثانية : (حسيبة ) من بر مصر ، أم ( زينة ) الصحفية .
الثالثة : (حبشية ) نوبية أم ( مهرة ) .
الرابعة : ( دنيا) من اسكندرية أم ( رؤوف ) .
لاحظ هذاالتنويع في اختيار الزوجات .. وكأن الجد أردا امتلاك كل نساء مصر من اقصاها إلى اقصاها .. رمز للسطوة وبروز هيمنة الرجل .
في نفس الوقت .. تبرز لنا الرواية مدى الظلم الذي وقع على بنات الدار ، عماتها .. امها .. زوجات الجد .. الحصار الموجع ،والعقاب الأليم لمجرد تحرك مشاعر إحداهن تجاه رجل ، تقول : " فكرة قص الشعر هذه متوارثة في عائلتي فهذا عقاب رادع لمن تسول لها نفسها أن تغري رجلاً ولو بإشارة بريئة أو تحاول أن تشز عن القطيع " .
بل يمتد هذا التسلط وينعكس على رجال الدار .. فنجد الرجال يعانون من هذه السطوة .. فالأبن الأكبر والد البطلة/ الراوية .. يعاني من القهر وسلطة الأب .. فلا يبستطيع التعبير عما يجيش بداخله من مشاعر .. ولا يستطيع أن يتزوج (مريم ) تلك التي احبها .. ومازال وجدانه يتحرك تجاها حتى بعد زواجه وانجاب بنته .. ويمارس هواية القراءة وكتابة الشعر سراً بعيدا عن أعين الأب ..
ورغم تحرر الأبنة ( زينة ) الصحفية بعض الشيء .. إلا إنها تعاني أيضا من تلك السلطة الضاربة في اعماق الدار .. وتطاردها سطوة الأب لتصبح عانس تعاني من الوحدة القاتلة رغم محاولة إندماجها في المجتمع .
أما ( حبشية ) فهي رمز القهر الأكبر في الرواية ، تعاني من مشاكل في جمالها ، فهي من أم نوبية .. وتطاردها العنوسة وتكاد تقلتها ، فلا تجد إلا الحرير المخملي تصنع منه مفارش وملاءات ، وعندما يهبط لها عريس من السماء على يد الأبن (رؤؤف) ابن الزوجة الإسكندراية الذي يعود بعد موت أبيه باحثا عن اسرته ليندمج معها وبعد صراع لايستمرطويلا يندمج في الأسرةويجلب لحبشية عريسا ،ولكنه يموت قبل الزواج فتصاب بالجنون .
وتكبر ( رقية ) ويزوجها والدها الشاعر الفاشل من ابن أحد الأثرياء .. رغم عنها .. وتكتشف بأنه عنين .. ويقتل في حادث غير متوقع .. وتتهم بقتله .. وتبرأ بعد معناة .. وفي النهاية تهرب بحياتها إلى القاهرة .
أما أخاها الذي يعيش في القاهرة مفصلا عن مشاكل الأسرة يتزوج من إمريكية بترحيب من الأب سرعان ما تطلب منه الطلاق .. و تتركه .
السلطة الأبوية المارقة
الرواية في مجملها تجسد السلطة الأبوية المارقة .. بأسلوب يقترب من الشاعرية .
نججت الكاتبة في رسم الملامح النفسية لأبطال قصصها .. وإظهار تلك المعاناة التي تعيشها الأسرة من سلطة الأب ،ورغم موته ورحيله ، إلا أن سلطته ظلت متجذرة في كل أفراد الأسرة ، وتحاول الأم أن تقوم بهذا الدور ولكنها تعجز عن ذلك .. بعد إكتشافها إن زوجها متزوج من رابعة بدون علمها .
الحرير المخملي
لغة الكاتبة في معظم مقاطع الرواية شاعرية .. استطاعت أن تجسد مشاعر ( حبشية) التي يبنى عليها عنوان الرواية ، فوظفت ( الحرير المخملي ) توظيفا رائعا في سياق الحدث ، فنجده ملازما لحبشية ، هو سلواها ورفيق وحدتها وغربتها في هذا المنزل الصاخب الذي يعاني كل أفرداه من وحدة قاتلة من أثر السلطة الأبوية القاهرة ، المارقة .
فنجد الحرير المخملي يلازم حبشية في أحزانها وأفراحها ..
نجد الرواية عندما تعبر عن حالتها تقول : " لا أحد يلعب معي أو يحادثني ، عمتي مهرة مشغولة بتطريز مفارش الحرير المخملية " .
وعندما تعبر عن لحظة سعادة حبشية فتقول : " أما عمتي مهرة فهي الآن تعيش أسعد لحظات حياتها بعد أن أتمت مفرش السرير الحريري المخملي المطرز بخيوط السرما الذهبية والمدججة اطرافه بالخرز الملون ... الخ "
وعندما يصلها خبر موت ( اسماعيل) عريسها المنتظر .. تعبر عن الرواية عن هذه اللحظة بقولها : " عمتي المسكينة صنعت الكثير من مفارش السرير المصنوعة من أرق خامات الحرير المخملي ، حينما وصلها الخبر الفاجعة قامت من مكانها وحفرت حفرة كبيرة بفناء البيت الكبير ودفنت كل مفارشها وأهالت عليها التراب " .
وتبرز الرواية ثقافة الرواية التي تفرض بقوة ثقافتها على الرواية .. فنجدها تظهرها وتوتوظفها في كثير من مواقف الرواية دون إخلال ببناء الرواية ،فتظهر ولعها بالأفلام القديمة وحبها للشعر
ورغم السطلة الأبوية القاهرة ، استطاعت البطلة ( رقية ) في النهاية وبعد معاناة وصراع أن تتخلص من هذه السلطة بعد ان دفعت الثمن باهظا وغاليا .. ولكنها في النهاية تنفست حريتها .. وتركت هذا المنزل الخانق الفارض سلطوته وسطوته .. وسافرت للقاهرة / رمز الإنطلاق / الحرية . لتكمل دراستها بالجامعة افمريكية وتدرس الأدب المقارن كما تقول : " بشغف ونهم ولأول مرة وجتني أمسك القلم وأكتب طوال الليل ، أكتب عن كل شيء صادفني في حياتي ، وعن ذكرياتي باليت الكبير وهن الحب والرغبة والحرية " .
لقد استطاعت ( رقية ) الإنعتاق من الأسر من السطلة الأبوية ، بعد صراع .. هذه الحرية هي التي منحتها حرية كتابة ذكرياتها بكل ما تحويه من أوجاع .
نجحت الكاتبة في إبراز الصراع بين عالم القرية المتمثل في السطلة الأبوية القابضة على الروح ،وبين عالم المدينة المتحرر المتمثل في الأخ (فارس) والعم (رؤوف) ، ونجحت في تلك المقابلة بكل تناقضاتها .
الرواية بكل ماتحمله من مرارة وصراع وأوجاع .. تقدمها لنا الكاتبة بأسلوب شاعري ساحر ، يبرز جماليات لغة السرد .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق