الأربعاء، 26 نوفمبر 2014

(1)
لماذا علاء الديب ؟
عندما اقترحت اسم الكاتب الكبير علاء الديب ليحمل اسم الدورة الثالثة في مسابقة الرواية التي أطلقها مركز عماد قطري لعام م2014- 1435هـ، ،رحب المركز مبديا سعادته لحسن الاختيار، فشعرت بسعادة تتوغل  في كياني ، فعلاء الديب الذي لم أشرف بمقابلته بعد .. علامة من علامات الإبداع المصري/ العربي، وله عندي مكانة وترك بداخلي بصمة مازالت متوهجة .
بدأ هذا التوهج عندما بدأت علاقتي بقراءة مجلة " صباح الخير " مجلة العقول الشابة والعقول المتحررة ، ومتابعة بابه " عصير الكتب " حتى أدمنته، وأصبحت اقرأ المجلة من الخلف ، بادئا من باب أستاذي الديب ، متناولا تلك الكبسولة المركزة / العصارة ..  قبل الولوج في المجلة التي تعودت على قراءة كل ما تطرحه من الغلاف للغلاف لسنوات طويلة .. ولم يفعل كاتب مثل ما فعل علاء أستاذي علاء الديب باستثناء الراحل كمال  الملاخ  ببابه المتميز في جريدة " الأهرام ":" بدون عنوان " فقد عود قراء الأهرام أن يلجوا  الجريدة من الخلف حيث يسكن بابه .
ورغم هوسي في ذلك الوقت بالكاتب أنيس منصور، كنت قد قرأت له أنه لا يحب عرض الكتب والكتابة عنها لأنها إضافة لعمر صاحب الكتاب مخصومة من حساب عمر الكاتب العارض  .
ولم اقتنع بقول أنيس منصور ، فما يفعله – على سبيل المثال – علاء الديب في بابه " عصير الكتب " من عرض موجز ومكثف للكتب ، هو إضافة تحسب له .
وهذا التناقض بين الرأيين هو ما فتح مداركي لنشر ما أكتب من عروض وملخصات كتب ، فهذه هواية أمارسها منذ الصغر .. واحتفظ بكراسات وكشاكيل كثيرة بها خلاصة معظم ما قرأت من كتب .
 بدأت في إرسال ما قمت بعرضه وتلخيصه من كتب حديثة للمجلات والصحف العربية ، التي احتفظ بعناوينها في أجندة خاصة .
وسرعان ما وجدت حصاد ما زرعت .. فلقد بدأت المجلات تنشر ما أرسل لها بصورة أراحتني كثيرا وبدأت تزرع بذور الثقة دخل نفسي، ومنذ ذلك الوقت انطلقت من بداية وقاعدة ثابتة   .
وسودت صفحات المجلات والصحف بعروض كتبي، تلك المجلات المصقولة اللامعة القادمة لنا من أرض البترول، وتشابك اسمي مع أسماء لامعة وهكذا بدأت رحلة الحضور على الساحة الثقافية مع نهاية ثمانينات القرن الفائت وبدايات السبعينيات ، لأطل على مصر من الخارج بكتاباتي النقدية وما اعرضه من كتب .
ولولا باب " عصير الكتب " الذي أتابعه باستمرار وأطالعه بشغف، بالإضافة لرأي أنيس منصور الجائر- في رأيي – ما تقدمت للإمام بتلك الخطوة التي كان لها أثر كبير في حياتي .
وأذكر أول عمره قرأته لأستاذنا الديب هو روايته " زهر الليمون "  وظل عبد الخالق المسيري لفترة طويلة يطاردني هو ومن معه من أبطال الرواية بكل ما يحملونه من صراع .
سئل علاء الديب : البعض أخذ عليك أن معظم أبطال رواياتك، حياتهم هي عبارة عن بؤس، فهل ترى أن الحياة كذلك بالفعل؟
هذا حقيقي. ولكن معظم هذه الأعمال تدور عن الطبقة المتوسطة بعد عام 1967، وأيضا النكسة التي جعلت المجتمع كله يمر بأزمة حقيقية، سواء بالنسبة للأحلام أو الآمال التي تحطمت في تلك الفترة. وليس هذا فقط، وإنما هناك شيء آخر كنا نعلق عليه الكثير من آمالنا.
وهو حلم الاشتراكية وما أصابه، سواء بالداخل أو على المستوى العالمي، ما أصابني بالإحباط، سواء على المستوى الشخصي أو العملي عشت فيه وما زلت، كل هذه الأمور أدت إلى طبع شخصياتي الروائية بالطابع البائس، وهناك العديد من الكتَّاب العالميين الذين استمتعنا بأعمالهم، أمثال دستوفيسكي، غوركي، وتشيخوف، حيث تغلف أحداث أعمالهم ظلال هذه الغمامة الحزينة والبائسة بعض الشيء، فالعمل الأدبي لا يقاس بشخصياته بل بإحكام عمله " [1]"
وعلاء الديب هو ابن تلك الطبقة المتوسطة ، هذه الطبقة التي أرقته كثيرا ودفعته للتعرض لها في معظم أعماله الأدبية .
يقول في حوار معه :
"قمر علي المستنقع" و"عيون البنفسج" و"أطفال بلا دموع" هم أب وولد أكلتهم الغربة، أكلهم النفط، أكلتهم نكسة 67. ويبدو أن الهزيمة باقية داخلنا حتي الآن. يقول الديب "أخاف من تكرار هذا المعني لأنه يبدو وكأن الإنسان متشائم، إنما في ظل هذا السلام الملوث، وفي ظل هذا الفساد لا يمكن أن تقع في هزيمة، إنما الهزيمة بالعكس تأخد أشكالاً، وطبعاً أبطال الجيش الذين حملوا أرواحهم وسلاحهم وصعدوا هذا التراب ووضعوا العلم مثلما قال صلاح عبدالصبور. فهم فدونا كلنا لكننا لم نفعل شيئاً بفدائهم يعني وكأننا ضيعنا دماءهم. ودماؤهم ظلت في رقابنا.
أحس أثناء حديثي هذا أنني أظلم الأجيال الجديدة وأضع داخلهم بذرة يأس زيادة، ولكن في ظل الشكل ما نحن فيه عليه سواء في الحكم أم في الأنظمة أو المسئولين عن الثقافة والفكر والفن فلا شيء يتقدم أو ينمو(( [2]
ومع أستاذنا علاء الديب ندلف في بعض إنتاجه الأدبي  .. وعلى طريقة عصير الكتب نقدم هذا الكتاب " عصير علاء الديب " نحاول من خلاله أن نقدم صورة موجزة عن بعض ما قدمه الديب للمكتبة العربية من كتابات وإبداعات .


[1] -  من حوار اجرته معه دار الإعلام العربية بالقاهرة  18 ديسمبر 2011م  نقلا عن  http://www.albayan.ae/paths/art/2011-12-18-1.1556714
[2] - سامي كمال الدين الأهرام الرقمي 10 أكتوبر 2009


حروف منثورة للنشر الإليكترونى : رواية قصيرة كراكيب الدماغ الذي سقط سهواً لمحمود ال...

حروف منثورة للنشر الإليكترونى : رواية قصيرة كراكيب الدماغ الذي سقط سهواً لمحمود ال...: أضغط للتحميل رواية قصيرة كراكيب الدماغ الذي سقط سهواً لمحمود الطهطاوى صدر عن حروف منثورة للنشر الإليكترونى  للمراسلة بأعمالكم على ...

الاثنين، 13 يناير 2014



هروب
جرَّبـْتُ كـُلَّ الطـُرُقِ للانـْسـِلاخِ مـِنـْكَ .. كُلـّهـَا قـَذَفـَتـْني بداخِلـِكَ .
يا لــلـْوَجـَعِ الـَّذِي يـَجـْتـَاحـَني ، يـَسـْحـَقـُني ، يـُدَمـِّرُ كـُلَّ خـَلايـَايـَا ، يـَنـْخـُرُ في جـَسـَدِي ، رُوحـِي كالسـُّوس ، هـَجـَمَ عـَليَّ المرضُ .. مرضٌ لعينٌ ، أفقدَنـِي كلُّ المنـَاعـَةَ بـِداخـِلـِي ، جـَعـَلـَني أسـْتـَسـْلـِمُ .. لا أمـْلـُكُ إلا الاسـْتـِسـْلامَ . 
حاوَلـْتُ الهروبَ منـْكَ !! كيفَ ؟! . يحـَتاجُ هـَذا إلى مـُجازفةٍ .. مـُغامـَرةٍ .. قـَدْ تـُكلـِّفـُني الكثير َ.. أحتاجُ إلى تـَغييرِ دَمـِّي ، أحتاجُ إلى الانـْسلاخِ منْ جلدِي ، أحتاجُ إلى تبدِيلِ عـِظـَامي ، أبـْتـُرُ قـَلـْبي هذا العـُضـْوُ المـُراوِغُ ، أتسلـَّلُ من رُوحي .. ألـَمْ أقـُلْ إنـَّهـُا مـُغامرةٌ ، تحتاجُ مـِنـِّي أنْ أتـَبـَدَّلَ ، أغـَيـَرْني ، ومـَنْ يضمنُ بعدَ ذلـِكَ لي الشِّفـَاء ، سأجـِدُكَ قـِطـَعـَا في دَمـِي الجديدِ ، وجـِلـْدِي المـُتـَخـَلـِّقِ تـَوَّاً ، وعـِظامـِي الطازجةِ ، وقـَلـْبي الأخضـَر ، و رُوحي المـُتـَجـَدِدَةِ ، كيـْفَ لا .. وأنا أتـَنـَفـَسـُكَ معَ كـُلِّ شهقةٍ ، ولا أسـْتـَطـِيعُ اخـْراجكَ معَ زَفـِيرِها ، جرَّبـْتُ كـُلَّ طـُرُقِ الانـْسـِلاخِ مـِنـْكَ .. وكُلـّهـَا تـَقـَذِفـُني بعنـُفٍ داخِلـَكَ ، أتـَدَثـَّرُ بـِكَ ، أتـَكـَوَّرَ بداخلـِكَ، أهربُ منكَ إليكَ ، لا لن يـَفلحَ البـُُعدُ عنكَ ، تجربةٌ فاشلةٌ ، تـُقرِّبـُني منكَ أكثـَر .. فعلتـُها كثيراً ،وفي كـُلِّ مرةٍ أشعـُرُ بالاحتياجِ إليكَ أكثـَر مـِنْ ذِي قـَبل ، فراغُ وحـْدَتـِي وأنـَا أحاولُ الانسلاخَ .. التمرُّدَ .. يجذِبـُني إلى أعماقـِكَ .. يـَدلفُ بي إلى وَجـَعي .. أنتَ وجـَعـِي .. وجـَعـِي بكـُلِّ مـَا تحملـُهُ الكلمةُ منْ معانٍ واسعةٍ وضيـِّقـَةٍ ، قريبةٍ وبعيدةٍ ، بكـُلِّ ما ترسمـُهُ من إسقـَاطـَات ، ودَلالات ومفاهيمٍ ورُؤَى ، أشـْعرُ بابتسامـَةٍ تُرسمُ علىَ وجـْهـِكَ الآسـِر وأنتَ تقرأُ كـَلـِماتي ، دائمـًا كنتَ تفعلـُهـَا وأنـَا أخـْرِجُ أمامـَكَ بعضَ الكلماتِ الـَّتي خرجـَتْ مـِنـِّي .. مـِنْ تأثيرِ أسـْرِكَ ، احتوائـِكَ .. دخـُولـِكَ في أعـْماقـِي ، تـَوَحـُّدِنـَا ، فأشـْعـُرَ وكـَأنـَّني أكـَلـِّمُ نـَفـْسي ، تـَدْخـُلـُني وأدْخـُلـُكَ ، هـَكـَذَا قـُلـْتَ لي يوْمـًا ، وأحـْسـَسـْتَ .. تـَتـَّسـِعُ الابـْتـِسامةُ عـَلى وَجـْهـِكَ وأنتَ تـُعـَطـِّرُني بها وتـُدَاعـِبـُني تـِلـْكَ الكـَلـِماتُ .. أنـَا الآنَ جالـِسةٌ في حـُجـْرَتي ، أحاولُ الانـْسـِلاخَ مـِنـْكَ ، أحـَاوِلُ انـْتـِزَعـَكَ مـِنـِّي ، أمارسُ تـِلـْكَ الريـَاضـَةَ الرَوْحـِيـَّة .. الهـَجـْر .. أتـَقـَوْقـَعُ دَاخـِلَ غـُرْفـَتي ، أحـَاولُ الانـْهـِمـَاكَ في مـُتـَطـَلـِباتِ البيـْتِ، أقـُومُ بتـَرْتـِيـبـِهِ أكثرَ مـِنْ مـَرَّةٍ ، أدخلُ المطبخَ أمارسُ أيَّ شـَيءً .. أيَّ طعامٍ ، أصنعُ رغـْمـًا عـَنـِّي تلكَ الأكـْلـَةَ المحـَبـَّبـَةَ إلى قـَلـْبـِكَ ، أقـَدِّمـُهـَا لـَهُ هـَذا الـَّذِي يـُشـَارِكـُني الدَّارَ ، أَكلَ ونَهضَ وجلسَ أمامَ التـِلـِفـِزْيـُون يشاهدُ مـُسلسلَ الظـَّهـِيرة وهوَ يزعقُ : (( الشـَّاي يا سـِتْ )) ، لم يقـُلْ لي كلمةً واحدةً ، هل أعـْجـَبـَهُ الطـَّعـَامُ أمْ لا  ؟ ! . لم يشكـُرْني ، لم يجامـِلـْني بكلمةٍ ، مازالـَتْ تـِلـْكَ الكلماتُ محفورةً في كـَياني.. عندَما قدَّمـْتُ لكَ السـَندوتـْشات في النـَّادي ، وأخذْتـَها وكنتَ تقضـُمـُها بـِلـَذَّةٍ ، قلـْتَ لي مـِرارًا في لحظاتِ تـَوَحـُدِنـَا :
    - مازالَ طعمُ السـَندوتـْشاتِ في فـَمـِي ..
      تـُدَغـْدِغـُني كلماتـُكَ .. يــَاه .. أنـَا أريدُ الانسلاخَ منكَ ، أقومُ بترتيبِ البيتَ مرةً ومرةً .. تـُطـَارِدُني في كـُلَّ أركانِ البيتِ مـَلامـِحـُكَ ، تـَطـِلُّ عليَّ منْ كـُلِّ الأشياءِ ، منْ دخانِ الطـَّعـَامِ علـَى النـَّارِ ، منْ صـُنـْبـُورِ المـِياهِ وأنـَا أغـْسـِلُ الأطـْبـَاقِ ، ومـِن دورانِ الملابـِسِ في الغسـَّالةِ الـَّتي تصـْحـَنُ قـَلـْبي معَ دَوَرَانـِها .. أشـْعـُرُ بوَجـَعٍ يجـْتـَاحُ كيـَاني ، أتـَلـَفـَفُ ، أهيمُ في البيْتِ كالمجنونةِ ، أنـْتـَقـِلُ منْ غرفةٍ إلى أخـْرَى ، أتـَمـَنـَّى أنْ أقـْفـِزَ ، أطيـرَ في الهواءِ إلى حيثُ أنتَ أرْتـَمـِي في حـُضـْنـِكَ ، قـُلـْتـَهـَا لكَ ذاتَ يومٍ : أتـَمـَنـَّى أنْ أرْتـَمـِي في حـُضـْنـِكَ ، تحـْضـُنـُني بقوةٍ ، بعنفٍ .. ليـْتـَكَ تـَأتي هذهِ اللـَّحظةَ ، ليتكَ تـُهاتـِفـُني، تـَنـْتـَزِعـُني منْ وجـَعـِي، منْ عـِنادِي ، افـْعـَلـْها ، هـَيـَّا يا حـَبـِيبـِي ، لاشكَ أنـَّكَ تشعرُ بي ، تحـِسُّ بـِوَجعي ، تعرِفُ غـَبائي ، رِعـُونـَتي ، هـَيـَّا .. أخرِجـْني منْ هذا الوَجـَع المـُتـَسـَرْبـِلِ في أعـْمـَاقي، أنـْزَعـْني منْ نـَفـْسي العنيدةِ .. إلى كـَيانـَكَ .. احـْتـَويني لأشـْعـُرَ بالأمـَانِ .. لا .. لا أريدُكَ .. أريدُ أنْ أشـْفـَى منْ هذا المـَرَضِ العـِضـَالِ ، دَعـَني أتحرَّر مـِنْ أسـْرِكَ .. سأمارسُ تلكَ الرياضةِ العنيفةِ .. الصـَّبرَ .. سأروِّضُ نـَفـْسي .. سأغـَيـِّرُ جـِلـْدِي .. سأجعلُ دِمائي تنـْزفُ إلى آخـِر قطـْرةٍ وسأشـْتـَري دماءً جديدةً .. بـُنـُوك الدَّمِ كثيرَة .. سأسـْحـَقُ عـِظـَامـِي بـ " الهـُونِ " وأقـَدِّمـُها لـِفـَراخي الصغيرةِ  الكائـِنةِ في مـَنـْوَرِ البيتِ رُبـَّما تجـِدُ فـِيها غذاءً شهـِيـًا ، سأنـِزعُ قلـْبي هذا المعاندَ ، المشاكسَ وأُلـْقـِيهِ في مأَوَى الزِّبـَالةِ الكائـِنِ آخـِر شارعـِنا لتأكلـَهُ الكلابُ ليلاً ، أمـَّا رُوحي تلكَ الهائمةُ في حضرَتـِكَ ، الحافرةُ كيانـِكَ بداخـِلـِها .. سأطرُدُها .. سأجعلـُها تـَتـَسوَّلُ من دُوني ، حتـَّى تعرفَ مـِقـْداري  وتعـُودُ ذليلةً كسيرةً بعدَ أنْ تتسكـَّعَ في الطـُّرقـَاتِ والشوارعِ بـِلا مأْوَى ، بعدَ أنْ تشـْعـُرُ بالتـَّشـَرُّدِ والوجـَعِ ، بعدَما تعرفُ أنـَّها معيَ في أمانٍ ، رُبـَّما تـُطيعـُني بعدَ ذلكَ ، سأجرِّبُ كـُلَّ شيءٍ للانـْسـِلاخِ منكَ .. مهـْما كلـَّفـَني الأمـْرُ . سأتحدَّاني ، وأعلنُ تمرُّدي علىَّ .. عـِصـْياني .. سأجرِّبُ كـُلَّ المـُسـَكـِّنات العـُضـْويـَّةِ واللاعـُضـْويـَّةِ ، وإنْ لـَمْ استطـِعْ سأقـْتـُلُ نـَفـْسي واتخلـَّصُ منْ هذا الوَجـَعِ .. ولـَكـِن أخـْشـَى أنْ أجدَكَ في قبـْري ، أجدَكَ مقـْتولاً مـَعي ، تـُشـَاركـُني الحياةَ الأُخرى .. لا يا حـَبـِيـبـِي .. إلا أنتَ ، أنا لا يهمُّ ، أما أنتَ فعـِشْ حياتـَك ، جرِّبْ مع أُخـْرى ، ستجدُها .. مـَنْ لا تعشقـُكَ ياحبيبي ؟؟  ، مـَنْ لا تـَتـَمـَنـَّى أن تُحبـَّها .. لا .. لا تحب غـَيري ، قـُلـْتَ لي مـِنْ قبـْل .. أنـَّكَ لنْ ولـمْ تحـِب أُنـْثى غـَيـْري ، أنا الوحيدةُ الذَّي حرَّكـَتْ مشاعرُكَ ، وسكنـْتُ فيكَ كما سكنـْتَ فيَّ ..
      لا .. لن أقتـُلَ نـَفـْسي حتـَّى لا تفعلـْها مـِثـْلي ، يكـْفي أنْ أبتعدَ عنـْكَ .. أو بمـَعـْني أدَق : أحاولُ الابتعادَ عنـْكَ .. الانـْسـِلاخَ مـِنـْكَ .

الاثنين، 23 ديسمبر 2013



 المبدعة القديرة" همت لاشين " وبئر العسل

************************************

بئر العسل

...
لي طقوس واستعدادات خاصة حين أبدأ في قراءة أي رواية أدبية ..

مع وقت غروب شمس اليوم نهضت بنشاط وحيوية وارتديت بنطلون جينز وقميص وردي معشق بلون الفيروز، وتعطرت برائحة اللوتس المنعشة واحتضنت "بئر العسل"

وقبل أن أدخل صومعتي علقت على باب غرفتي كلمتين لأولادي "ممنوع الإزعاج"

أشعلت شمعة بيضاء برائحة جوز الهند .. فتحت إنارة غرفتي الهادئة .. جلست على كرسي الهزاز وبدأت في قراءة "بئر العسل"

أخذتني الرواية من وصف إلى انفعال ومن فصل إلى آخر دون ملل أو رتابة .. بركان خامد من الأحاسيس والمشاعر الإنسانية المعقدة والصادقة .. تجسيد رائع لعلاقة الحب بين الرجل والمرأة أو بين قاسم وسلمي بطلا الرواية

كنت أقرأ انفعالات الحب وأداعب خصلات شعري وأتنهد من حلاوة الوصف وطلاوة الكلمات

خالفت التعليمات المعلقة على بابي وأزعجت من حولي وضحكت من حمرة وجه قاسم التي سرعان ما ذابت في سواد الزبيبة الساكنة في منتصف جبينه ..

رائعة هي مشاعر الحب حين تتماوج بتناغم ورشاقة بين قلبين .. "سلمي" عزفت بجسدها أجمل لحن وأضافت إلى عمر قاسم البهجة والسعادة وروحاً جديدة إلى روحه .. كانت أنثى رائعة حين سرقته من جسده إلى جسدها .. وكان رجلاً رائعاً بمعنى الكلمة حين ذابت رجولته أمام حبه الجارف الساحر .. رجل في زمن انهمك فيه الرجال في البحث عن رغيف الخبز ..

"بئر العسل" بئر مليء بالمتناقضات والانفعالات والموروثات" التي تداعب العقل والوجدان

شكراً لك أستاذ محمود رمضان الطهطاوي على سرقة روحي وقلبي لساعات قضيتها أمام البئر ألتهم من رحيق حروفك وعسل كلماتك والآن أعيد قراءة الرواية وأنا استمع لصوت نجاة وأغنية "سارقين النوم والراحة من حياتنا .. سارقين السنين وأغلى ذكرياتنا.. وفينك يا ليالي الفرح والأغاني .. وفينك يا هوى مش ناوي تزورنا ثاني .. .. ..
...
همت لاشـين

الخميس، 15 نوفمبر 2012

سيد الوكيل في " الحالة دايت " بين الناقد والأديب



سيد الوكيل في " الحالة دايت " بين الناقد والأديب

--------------------------
جريدة القاهرة – العدد 638 الصادر في 4/9/2012م

محمود رمضان الطهطاوي

إن كانت الرواية الوالجة في عمق التاريخ مازالت غائمة بين المصطلح لم تحدد أركانها بعد.. وإن كانت ملامحها محسوسة. فالسيرة الذاتية التي سطت وبرزت في الفترة الأخيرة بقوة.. تعاني هي الأخري القبض علي تعريف دامغ لها يؤطر لها ويؤدلجها. وإن كنت ضد الأدلجة.. وترك العمل يكتب نفسه.. ومن ثم يضعه الناقد والقارئ في إطاره حسب قدرته علي الاستيعاب. الأهم من هذا الصراع، أن يكون العمل مؤثرا.. ووالجا في عمق النفس البشرية، يحقق المتعة التي هي الهدف الأول الذي يسعي خلفه القارئ.. ثم الرؤية/ الفكرة / الهدف.. الذي كتب من أجله العمل. سيرة الموت والكتابة الروائي والناقد (سيد الوكيل) في كتابه (الحالة دايت.. سيرة الموت والكتابة) الصادر عن سلسلة الإصدارات الخاصة برقم (92) التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة، يدلف بنا في حالة يتطرق فيها للموت.. ويتحول الموت للبطل الفعلي لتلك السيرة الوالجة في عمق الذاتي والغيري، يستنطق من خلالها الموت بكل وجعه دامجا بين شطري : ( الرواية / الحكي، النقد / الرؤية )، مقسما عمله إلي ثلاثة مقاطع تحمل عناوين دالة : " كتاب الموت "، "كتاب الموتي "، " كتاب الكتابة " في الجزء الأول " كتاب الموت " تبرز روح الراوي الذي يتطرق لسيرة الموت، موت الأب، موت الأم، تطل رائحة الموت بعمق ويكتبها متدثرة بثقافته فتظهر الذاتية التي تتطرق للأب والأم وأصدقاء رحلة الأدباء بأسمائهم الحقيقية. وفي الجزء الثاني "كتاب الموتي" يتحول للسيرة الغيرية، فتطرق لموت أصدقاء الحرف بروح الناقد وهو يتطرق لكتاباتهم بجانب الملامح الإنسانية في شخوصهم. وفي الجزء الثالث " كتاب الكتابة " يدخل بنا في منطقة مغايرة متطرقا لسيرة الموت في بعض الكتابات لأصدقاء الحرف. لا يعنينا ما أشار إليه في آخر الكتب بأن العمل رواية.. بل رواية سيرية كما جاء علي غلاف الكتاب (سيرة الموت والكتابة)، فكما قلت أدلجة العمل غير مجدية.. يكفي أن العمل استطاع أن يلج في عمق قلوبنا، ويداعب شظايا الروح.. يكفي أن العمل يحمل رؤية، وحقق هدفاً. ولا مجال هنا لمناقشته كونه " رواية سيرية " أو سيرة دامجة بين الذاتي والغيري. لكن هنا نشير إلي ما طرحه الوكيل عن الموت بروح الروائي وعقل وقلب الناقد، استطاع سيد الوكيل بخبرته في المجالين أن يقدم لنا عملا يجسد الموت ويجعلنا نصطلي علي وجعه بفنية وعبر لوحات تقطر ألما ومرارة. التشبع بالموت سيد الوكيل في عمله المتشبع بالموت، يؤكد لنا من خلال طرحه إنه يعشق كل البشر.. يعشق كل أصدقاء الحرف.. وعندما يكتب عنهم بعدما غيبهم الموت بجسدهم، حاول أن يستنطق حرفهم، يسترجع ذكرياتهم ليعودوا للحياة، فالكتابة خلود. " الحالة دايت " كتاب يضرب علي وتر الموت ظاهرياً.. لكنه يجسد مشاعر حب فياضة لكاتب يعشق الحياة، وهو عندما يتحدث عن الموت كما يشير في اللحظات قبل الأخيرة لرحيل والده في المقطع المعنون ( مقبرة العائلة ) يقول عن الموت : " الأرض رحم كبير نعود إليه فيما يشبه الحنين إلي الأم "ص14. صورة ناعمة ورقيقة للموت يرسمها الكاتب في أصعب لحظات الوجع الإنساني / رحيل الأب. ويخاطب والده بعاطفة جياشة في مقطع "صيد العصافير" ويهمس : "لا تخجل يا أبي من نزواتك الصغيرة. الله رحيم يا أبي. لا تخجل من حياتك السرية، سأحفظها لك وأبقيها كما هي، سرك في بير، لن أقتلك في رواياتي، سأكتب يوما أنك كنت عظيما، وجميلا في أحلامك التي لم افهمها حتي وأنا في مثل سنك الآن، في حبك لعبدالوهاب، وشغفك بصيد العصافير وأقمشة النساء، وعشقك لسامية بنت المفتش، علي الأقل كان ذلك حقيقيا، هو ما تقعله وتؤمن به، علي الأقل كنت حياً.. وقوياً بما يكفي لأب "ص 27 صورة زاخرة بالمشاعر الإنسانية يرسمها الكاتب وهو يسترجع ذكريات الأب الذي رحل. أما مقطع " عيد الأم " فيجسده الكاتب بصورة موجعة.. وهو يتذكر عيد الأم في يوم الاحتفال السنوي بها.. ولأننا نعيش خواء اجتماعيا.. فلا يجد أمامه إلا الفضاء الإنترنتي يبث فيه مشاعره.. ويبحث فيه عن إنسانيته، اسقاط رائع للواقع يرسمه الكاتب بحنكة، يقول علي لسان إحدي صديقات هذا الواقع الافتراضي : " حياتنا كلها افتراضية تقدر تقول لي لما نعيش طول الوقت فيأحلام وخيالات نبقي إيه.. ؟ ". ص 30 أما في مقطع " عرض أخير " فسترجع حادثة حرق مسرح بني سويف الشهيرة. وما إن نأتي إلي الجزء الثاني "كتاب الموتي" حتي نجد الذاكرة المتخمة برحيل الصدقاء تكسب وجعها الإنساني بمرارة.. وهي تستدعي الراحل ابن النوبة "إبراهيم فهمي ومجدي الجابري، نعمات البحيري، محمد عبدالمعطي، محمد مستجاب.. الخ. رموز من ملأت حياتنا بإبداعات خصبة.. قطفها الموت ولكنها تركت خلفها روحها.. روح الكتابة.. يحدثنا عنها الوكيل بروح المحب / الصديق / الناقد، فتحقق هذه الثلاثية متعة وهو يسترسل في الذكريات.. والمواقف الإنسانية متطرقا لإبداعهم الثري. وفي نهاية المطاف يتوقف الكاتب في الجزء الثالث والأخير من تلك السيرة المعجونة بالموت عند بعض الكتابات التي تطرقت للموت - كما ذكرنا آنفا - موغلا في التاريخ بحرفية الكاتب، فارضا ثقافته وهو يكتب لنا مقطعه " أخفاد آني.. وخالتهم الخنساء ". لاشك ان كتاب " الحالة دايت " إضافة لرحلة الكتابة عند سيد الوكيل الذي بدأها عام 1991م بمجموعته القصصية (أيام هند) ثم مجموعته (للروح غناها) عام 1977، وبعدها روايته (فوق الحياة قليلا) في نفس العام، ثم كتابه (مدارات في الأدب والنقد) عام 2002م، وبعدها روايته (شارع بسادة)عام 2008م.