-1-
جربت كل الطرق للانسلاخ منك .. كُلها قذفتني بداخِلُك .
يا للوجع الذي يجتاحني ، يسحقني ، يدمر كل خلاياي ، ينخر في جسدي ، روحي كالسوس ، هجم عليّ المرض .. مرض لعين ، أفقدَ كل المناعة بداخلي ، جعلني استسلم .. لا أملك إلا الاستسلام .
حاولت الهروب منك !! كيف ؟! . يحتاج هذا إلى مجازفة .. مغامرة .. قد تكلفني الكثير .. أحتاج إلى تغيير دمي ، أحتاج إلى الانسلاخ من جلدي ، احتاج إلى تبديل عظامي ، أبتر قلبي هذا العضو المراوغ ، أتسلل من روحي .. ألم أقل إنها مغامرة ، تحتاج مني أن أتبدل ، أغيرني ، ومن يضمن بعد ذلك لي الشفاء ، سأجدك قطعا في دمي الجديد ، وجلدي المتخلق تواً ، وعظامي الطازجة ، وقلبي الأخضر ، وروحي المتجددة ، كيف لا .. وأنا أتنفسك مع كل شهقة ، ولا أستطيع إخراجك مع زفيرها ، نعم جربت كل طرق الانسلاخ منك ،وكلها تقذفني بعنف داخلك ، أتدثر بك ، أتكور بداخلك، أهرب منك إليك ، لا لن يفلح البُعد عنك ، تجربة فاشلة ، تقربني منك أكثر .. فعلتها كثيراً ،وفي كل مرة أشعر بالاحتياج إليك أكثر من ذي قبل ، فراغ وحدتي وأنا أحاول الانسلاخ .. التمرد .. يجذبني إلى أعماقك .. يدلف بي إلى وجعي .. أنت وجعي .. وجعي بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ واسعة وضيقة ، قريبة وبعيدة ، بكل ما ترسمه من إسقاطات ، ودلالات ومفاهيم ورؤى ، اشعر بابتسامك تُرسم على وجهك الآسر وأنت تقرأ كلماتي ، دائما كنت تفعلها وأنا أخرج أمامك بعض الكلمات التي خرجت مني .. من تأثير أسرك ، احتوائك .. دخولك في أعماقي ، توحدنا ، فأشعر وكأنني أكلم نفسي ، تدخلني وأدخلك ، هكذا قلت لي يوما ، وأحسست .. تتسع الابتسامة على وجهك وأنت تعطرني بها وتداعبني تلك الكلمات .. أنا الآن جالسة في حجرتي ، أحاول الانسلاخ منك ، أحاول انتزعك مني ، أمارس تلك الرياضة الروحية .. الهجر .. أتقوقع داخل غرفتي ، أحاول الانهماك في متطلبات البيت، أقوم بترتيبه أكثر من مرة ، أدخل المطبخ أمارس أي شيء .. أي طعام ، أصنع رغما عني تلك الأكلة المحببة إلى قلبك ، أقدمها له هذا الذي يشاركني الدار ، أَكل ونَهض وجلس أمام التلفزيون يشاهد مسلسل الظهيرة وهو يزعق : (( الشاي يا ست )) ، لم يقل لي كلمة واحدة ، هل أعجبه الطعام أم لا ؟ ! . لم يشكرني ، لم يجاملني بكلمة ، مازالت تلك الكلمات محفورة في كياني.. عندما قدمت لك السندوتشات في النادي ، وأخذتها وكنت تقضمها بلذة ، قلت لي مرارا في لحظات توحدنا :
- مازال طعم السندوتشات في فمي ..
تدغدغني كلماتك .. يا ه .. أنا أريد الانسلاخ منك ، أقوم بترتيب البيت مرة ومرة .. تطاردني في كل أركان البيت ملامحك ، تطل عليَّ من كل الأشياء ، من دخان الطعام على النار ، من صنبور المياه وأنا أغسل الأطباق ، ومن دوران الملابس في الغسالة التي تصحن قلبي مع دورانها .. أشعر بوجع يجتاح كياني ، أتفف ، أهيم في البيت كالمجنونة ، أنتقل من غرفة إلى أخرى ، أتمنى أن أقفز ، أطير في الهواء إلى حيث أنت أرتمي في حضنك ، قلتها لك ذات يوم : أتمنى أن أرتمي في حضنك ، تحضنني بقوة ، بعنف .. ليتك تأتي هذه اللحظة ، ليتك تهاتفني، تنتزعني من وجعي، من عنادي ، افعلها ، هيا يا حبيبي ، لاشك أنك تشعر بي ، تحس بوجعي ، تعرف غبائي ، رعونتي ، هيا .. أخرجني من هذا الوجع المتسربل في أعماقي، أنزعني من نفسي العنيدة .. إلى كيانك .. احتويني لأشعر بالأمان .. لا .. لا أريدك .. أريد أن أشفى من هذا المرض العضال ، دعني أتحرر من أسرك .. سأمارس تلك الرياضة العنيفة .. الصبر .. سأروض نفسي .. سأغير جلدي .. سأجعل دمائي تنزف إلى آخر قطرة وسأشتري دماء جديدة .. بنوك الدم كثيرة .. سأسحق عظامي بـ " الهاون " وأقدمها لفراخي الصغيرة الكائنة في منور البيت ربما تجد فيها غذاءا شهيا ، سأنزع قلبي هذا المعاند ، المشاكس وألقيه في مأوى الزبالة الكائن آخر شارعنا لتأكله الكلاب ليلاُ ، أما روحي تلك الهائمة في حضرتك ، الحافرة كيانك بداخلها .. سأطردها .. سأجعلها تتسول من دوني ، حتى تعرف مقداري وتعود ذليلة كسيرة بعد أن تتسكع في الطرقات والشوارع بلا مأوى ، بعد أن تشعر بالتشرد والوجع ، بعدما تعرف أنها معي في أمان ، ربما تطيعني بعد ذلك ، سأجرب كل شيء للانسلاخ منك .. مهما كلفني الأمر . سأتحداني ، وأعلن تمردي علىَّ .. عصياني .. سأجرب كل المسكنات العضوية واللاعضوية ، وإن لم أستطع سأقتل نفسي وأتخلص من هذا الوجع .. ولكن أخشى أن أجدك في قبري ، أجدك مقتولاً معي ، تشاركني الحياة الأخرى .. لا يا حبيبي .. إلا أنت ، أنا لا يهم ، أما أنت فعش حياتك ، جرب مع أخرى ، ستجدها .. من لا تعشقك ياحبيبي؟؟ ، من لا تتمنى أن تُحبها .. لا .. لا تحب غيري ، قلت لي من قبل .. أنك لن ولم تحب أنثى غيري ، أنا الوحيدة الذي حركت مشاعرك ، وسكنت فيك كما سكنت فيَّ ..
لا .. لن أقتل نفسي حتى لا تفعلها مثلي ، يكفي أن أبتعد عنك .. أو بمعني أدق : أحاول الابتعاد عنك .. الانسلاخ منك .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق