الخميس، 15 نوفمبر 2012

التخاذل غاية في الغرابة



التخاذل غاية في الغرابة
أيتها النخبة الغائبة عن المشهد الثوري .. هل يمكنن للشباب ذوي التجارب المحدودة ثقافيا واقتصاديا وسياسيا أن يحدثوا تغييراً فعليا ؟ .
---------------
جريدة القاهرة ، العدد 647 ، الصادر في 6/11/2012م
-----
محمود رمضان الطهطاوي
وسط هذا الخضم الهائج والمائج من ثورات الربيع العربي .. والذي خفت فيه صوت النخبة الثقافية وسط هذا الصراخ والعويل من القاعدة العريضة من الشعوب التي تمردت على الواقع، وأصبحت لا تسمع إلا صوتها دون أن تصيغ الآذان للنخب الثقافية بكل ما تحمله من فكر ناضج،ومن أسئلة تثور الواقع بحنكة .. وتحاول البحث عن أجوبة تصلح لترميم ما افلت من أمور .. متلمسة طريقها بمنهج علمي .. و رؤى تحمل خبرات وثقافات .
ولكن وسط هذا الحراك المذهل الذي اعطى مساحة شاسعة من الحريات .. بات صوت النخبة خافتاً ..
ونعيد الكرة ولا نستفيد من التجارب السابقة وسط هذا الصخب الموجع .
فعلى سبيل المثال ثورة يوليو أصدرت ميثاقها الذي يثمن دور الثقافة والفكر .. ولكن القائمين على  الثورة آنذاك كمموا أفواه أهل الفكر والثقافة .. واستبعدوا النخبة التي تغرد بعيدا عن السرب، فتحول النظام إلى ديمقراطي شكلا .. وقمعي جوهرا ولباً ..
والسؤال الأهم : هل يمكن لهؤلاء الشباب بتجربتهم المحدودة على المستوى الثقافي والإقتصادي والسياسي، أن يحدثوا تغييرا فعليا بعيدا عن النخبة الثقافية .
مانراه ومانشاهده على الساحة يثير المخاوف على شباب الربيع العربي .. ونخشى أن يصاب هذا الربيع بهرم وهو ما زال يحبو ويحاول النهوض .
لا اعتقد إننا قادرون على صنع تغيير فعلي دون الإستعانة والإستفادة من هذه النخبة من أصحاب الفكر على المستوى السياسي والثقافي والإقتصادي .
مصر  على سبيل المثال تعيش حالة من الفوضى الكلامية بعد ثورة 25 يناير لم تهدأ حتى الآن ،وكأن صنبور كلام انفجر وأصابنا بالغرق ، الكل يتكلم ،والكل يريد ، والكل لا يسمع للكل ، خناقات على الفضائيات بصورة مقززة ، الكل يتهم الكل .. وخرجت الألسنة من محبسها تزمجر وتصرخ وتولول وتندب حظنا العاثر .. فالثورة بعد كل هذا لم تحقق أي شيء إلا قطع رأس النظام .. ومصر لم تتقدم خطوة واحدة ؟ .
ضجيج نحياه ونعيشه كل لحظة .. وخروج عن المألوف من قطع طرق .. وحرق وقتل وسطو .. الخ .
لماذا ؟ لأننا قمنا بثورة نقية .. ولكن لا يواكبها ثورة فكرية ..
كل الثورات التي نجحت وحققت طموحات وأحلام شعبها واكبتها ثورة فكرية بذل فيها مفكريها ومبدعيها أقصى جهدهم من أجل بذر المعرفة .. وتصحيح الأفكار العقيمة التي استقرت في عقول العامة .
تجارب معرفية كثيرة حولنا .. الهند .. الصين .. ماليزيا ومن قبلها اليابان التي بدأت نهضتها المعرفية معنا .. فقط هي تسلحت بالمعرفة .. ونحن سقطنا في بئر حكامنا الذين أرادوا لنا حياة الظلام .
فهل نتسلح بالفكر .. وينزل أصحابه من أبراجهم العالية ليختطلوا بالناس .. وينشروا الوعي والعلم ويساندوا الثورة حتى تخرج من مأزقها الكلامي الذي لو استمر بهذه الطريقة سنغرق .. سنغرق .. سنغرق .
وقليل من توقف أمام الصورة ومافعلته بالكلمة المكتوبة عموما .. فواقع الحال يشير إلى أن للصورة المتحركة دورها الكبير في إزاحة الكلمة المكتوبة والترويج الدعائي لقلة على حساب المجموع .. فظهر في سماء الإبداع أسماء لانقلل من موهبتها .. ولكن تلك النجومية التي ظهرت فجأة و تحولت إلى أسطورة على حساب كتاب وأدباء وشعراء لهم ثقلهم ، وضع الجميع في مأزق .. فيكفي مسابقة في الفضاء الرحب لصناعة نجم يشار له بالبنان ويطلق عليه مسميات لم يحصل عليها أكبر الكتاب في وطننا العربي.. ويتحول للرمز عند الشباب والعامة .. ولعل ما حدث هنا مع الشاعر المصري ( هشام الخج ) خير دليل على غزو الصورة وتأثيرها ، و كيف تصنع نجما بسرعة البرق .. كما حدث عندما قدمت وسائل الإعلام المرئية نجم الأغنية الشعبية (شعبان عبد الرحيم ) و تحول بطريقة فنتازية إلى نجم نجوم الغناء ..
إن الإعلام الذي من المفترض أن يقدم لنا الصورة الواقعية للأدب .. ويساعد على إظهار المواهب الحقيقة ، ويبرز الوجوه المبدعة في وطننا العربي ، بات مضللا بقوة ، ويقدم لنا النموذج الذي يصنعه هو ، والذي يريده هو ، على حساب الإبداع الحقيقي .
نحن في حاجة ماسة لقنوات ثقافية .. تقدم برامج فاعلة وجماهيرية ..  تبرز الوجه الحقيقي للإبداع .. سواء كان قصة أو رواية أو شعر ،وتترك الحكم للمتابع هو الذي يحكم .. وهو الذي يقرر من يكون نجم الشعر العربي ، وأمير الرواية ، وعملاق القصة ..
هو وحده الذي يحدد .. فقط أن تقدم هذه القنوات كل المبدعين من مختلف المشارب .. وتعطي فرصا عادلة .. ولاتكتفي وحدها بصناعة نجم على حساب آخر .. حتى نظهر الصورة الحقيقية للإبداع ولانغبن حق أحد .
حقا فالإعلام يستطيع أن يبني ، كما يستطيع أن يهدم .
يبني إذا إمتثل للموضوعية .. ويهدم إذا خرج عن الحياد .
نحتاج لإعلام موضوعي يقدم صورة فعلية للحركة الأدبية/ الإبداعية في وطننا العربي ، حتى لا نصنع نجومنا استهلاكية / لحظية ، تؤدي دور بطولي /وقتي ، وتنتهي عندما نصنع نجم آخر .
الإبداع بخلاف ذلك ، الإبداع الحقيقي ، حي لا يموت ،ويستمر بعنفوانه وقوته حتى بعد رحيا صاحبه . 
إشكالية المثقف العربي وما يقوم به من دور مهمش في محاولة منه لإثبات حضوره بأي شكل من الأشكال في خضم التغيرات التي تحدث في الوطن العربي .. وبات فيها المثقف مغيب عن الشارع ونبض الجماهير .. وفي محاولة منه لإثبات وجوده يلون كلماته ويلويها ليؤكد بأنه كان من الذين يحملون النبوءة لما يدور من ثورات ، نرى ذلك في خلال المقالات المطولة التي تستشهد بمقولات مطاطية قابلة للتقلب على كل الأوجه .. ومن خلال الحوارات التي غزت الصحف السيارة والمجلات الثقافية ، كل واحد يريد أن يثبت أن ما قدمه من إبداع ومن رؤى كان نبوءة أو إرهاصات لما يدور الآن على الساحة من متغيرات قلبت موازين الثقافة رأسا على عقب ..
الواقع والحقيقة تكشف غير ذلك .. فالمثقف انفصل عن واقعه وغيب نفسه وابتعد عن الجماهير العريضة سواء بما يقدمه من كتابات لا تمت للواقع بالصلة .. أو لمحاولة اقترابه من السلطة ليكون قلما لها ولسانها الذي يغرد دائما دون أن ينظر تحت قدميه .
وقلة قليلة هي التي نجت والتصقت التصاقا وثيقا بنبض الشارع .. ووعي الجماهير .. وهي عازفة الآن عن هذا المولد بطبله وزمره ،ومازالت تواصل دورها في هدوء بعيدا عن وسائل الإعلام الطنانة والرنانة التي تقدم لنا طبخات مستهلكة ، تقابلها الجماهير بسخرية وحزن على مايدور حولها من رطانات قد تعرقل المسيرة .
حتى أصبحنا نكل الوجوه الدائمة على برامج الرغي والسباب والقذف المسماة مجازا " توك شو "
فقدنا المثقف الواعي الذي يحفر لنا بأزميل عقله رؤية واضحة ننطلق منها لصناعة مستقبل الثقافة التي تلبدها الغيوم الآن وما بقي من قلة قليلة تحاول لم الصدع والولوج بعمق في واقع الثقافة العربية ، يخفت صوتها كثيرا وسط هذا الصراخ والعويل .
ومازال مستقبل الثقافة العربية وسط هذا الخلط المقلق غائما لم تحدد له رؤية بعد .. ولم تظهر له ملامح ، الأمر الذي يحتاج إلى جهود جبارة من القلة المخلصة في محاولة لرسم خارطة مستقبل الثقافة العربية وسط هذا المتغيرات المتلاحقة والتي لم تتحدد ملامحها النهائية بعد .
هل نحاول أن نكون جادين ونسعى لملاحقة مايدور حولها ،ونرسم بأنفسنا خريطة مستقبل الثقافة العربية ؟ ، أم ننتظر لتقدم لنا من الخارج بكل توجهاتها التي لا تعمل بالتأكيد لصالحنا ؟!! .
كم الفعاليات الثقافية في الوطن العربي ، والتي تتناثر هنا وهناك ، تطرح القضايا ، وتلملم الرؤى ، وتخرج بالتوصيات ، ولا تتفاعل تفاعلاً حقيقياً مع الجماهير العريضة ، ولاتتواصل إعلاميا مع هذا الكم المقلق من القنوات الفضائية التي تركز على كل شيئ بدءا بالأغاني والرياضة والدراما والأخبار وفي الذيل يوجد هذا العبء الثقيل المسمى الثقافة ، حتى القنوات الثقافية المختصصة لا تتفاعل مع هذه الأحداث ولا تلك الفاعليات وتجاول أن تنقلنا للجماهير للتفاعل معها وتواكب طازجتها وسخونة حوارتها التي تحدث في غرف وصالات مغلقة ،وينفض السامر وكأن شيئاً لم يكن .
وكأن هناك مؤامرة غير مكتوبة لفرض سياج منيع حول هذه الفعاليات التي لا يحضرها إلا النخبة ، ولايتفاعل معها إلا القلة ، ولا يستفيد منها أحد رغم كل مايدور بداخها من عراك ودجال وحوارات هي بكل تأكيد لها ثمارها البناءة ، ولها تأثيرها لو تفاعل معها الجمهور ونقلناها للمشاهد لينهل منها ، ويتوقف عند شواطئها وأنهارها ليرتوي من تلك الفعاليات التي هي خلاصة تجارب النخبة المثقفة .
ولو لم يحدث هذا التفاعل فما فائدة تلك الموالد التي تنفض بمجرد إنصراف القائمين عليها ،وغلق أبواب القاعات ، ووضع التوصيات والأبحاث في الأدراج ، حتى نشر هذه الأبحاث والتوصيات فيما بعد وتقديمها للجماهير العريضة لن يكون له تأثير مثل تأثير الصورة الحية ، فنحن نعيش عصر الصورة ، ولها سحرهاوتأثيرها على المشاهد .
قد لاتملك المؤسسات الرسمية أن توجه تعليماتها إلى القنوات الخاصة وهي الأغلبية والأكثرية وسط هذا الكم الهادر من القنوات تجازو 700 قنتة على النايل سات فقط ، ولكن يمكن أن تتحقق المعادلة في القنوات التي تمتلكها المؤسسات الرسمية ، وتتابع بجد وجدية مثل الفعاليات وتنقلها طارجة إلى المشاهد العربي ، لتتنقذه من هذا الكم الهادر من القنوات التي تسعى بقصد أو بدون إلى تغييب عقله .
ثم لمصلحة من هذا التهميش للثقافة العربية ، لو أهتمت المؤسسات الرسمية بنقل هذه الأحداث والفعاليات كما تفعل مع كرة القدم التي تحولت لبديل ثقافي للجماهير العريضة في الوطن العربي الوسيع ، وإحقاقا للحق هذه ظاهرة عالمية –أقصد كرة القدم – ولكن في الغرب كما يهتمون بتلك الساحرة المستديرة ويقدرون دور الثقافة ويهتمون بنقل كل الفعاليات الثقافية للمشاهد ليتفاعل معها ويشارك فيها بالرأي ، فمتى نفيق من تلك الغفوة ؟
 إننا في حاجة لإزالة هذا السياج المنيع الذي يفصل الثقافة الجادة عن المشاهد العربي ، ويحرجها من الغرف المغلقة إلى الفضاء الرحب ، حتى تكتمل الظاهرة الصحية وهذا الإنتعاش الثقافي ويؤدي دوره المنشود .
أما في مجال التعليم .. فلن تحقق أمة نهضتها المنشودة بدون استثمار طاقة عقولها البشرية .. ولن يأتي هذا إلا باكتشاف موهبة الأطفال منذ الصغر .. وتنميتها بتعليم يزيدها مهارة،ويوجهها التوجيه الصحيح ،ويجعلها تبدع في مجالها وعلى قدر إمكانياتها وقدراتها التي تنمو وتكبر بالتعليم السليم ،وهذا لن يأتي إلا من رسالة تعليمية قادرة على ذلك ،ومعلم مدرب يستطيع توصيل هذه الرسالة .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق