ثلاثية الموت والحزن والحب
في ديوان " رُقيًّة " للشاعر مأمون حجاجي
محمود رمضان الطهطاوي
"رُقيًّة " هو الإصدار الرابع للشاعر مأمون الحجاجي الصادر عن هيئة قصور الثقافة 2010، سلسلة (أصوات أدبية ) ، بعد ديوانين الأول صدر عام 2000 بعنوان ( دستور) عن الهيئة العامة لقصور الثقافة ، والثاني (احلام للبيع ) عن النشر الإقليمي 2000م ، وطبعة ثانية عن مكتبة الأسرة 2005م ، بالإضافة إلى مسرحية "أزوريس نصير الفقراء ) عن دار الهلال 2008 .
الديوان يضم (22) قصيدة ، يوغل الشاعر في عمق المهمشمين من البشر ، ليتطرق إليهم و يحي لنا حكاياتهم بدءًا من أسرته ، "رقية محمد حسن " أمه ، أقاربه .. بياع الجرانين ، بياع القماش ، بياع الورد ، بياع المناديل ، الدرويش .
ولاغرابة عندما ندلف في عمق الديوان ، لنتشوف القصيدة ، فتتساقط قطرات الحزن الممزوجة بالموت والوجع والإغتراب والغربة والغياب والفراق والألم ، في مقابل الحب والعشق والحلم .
وبأحصائية لهذه المفردات ، نجد أن مفردة الموت بمشتاقتها وردت في الديوان (37) مرة ، والحزن بمشتقاتها (20) مرة ،والحب (12) ونجد الليل والعشق يتعادلان (10) مرات ،الروح (7) والفراق (6) مرات ،والشمس (5) ، ويتساوى القتل مع البحر والحلم (4) ، ونجد الظلام والألم والعدو والدم والوجع والغربة والنهار والدموع (3) ، والغدر القمر والجرح (2) ، فحين نجد الوحدة والابتسام والوداع والفقد والأسير والنزيف والصديق والأسى والغياب والهزيمة مرة واحدة فقط .
المتأمل هذه الإحصائية سيلاحظ أن الموت متفرد في الديوان ،ولاجود لمفردة حياة ،وكذلك الحزن لا تقابله مفردة الفرح ولا وجود لها في الديوان ، ونجد الحب المتكرر (12) مرة ، يقابله الفراق (6) بالإضافة للهجر والجرح والوحدة والغياب والدم .. الخ .
لنكتشف إن القصيدة مسكونة بالوجع الإنساني ، ومنه ينطلق الشاعر ليعبر عن المشاعر الإنسانية ، يفجر براكين الموت والحزن .. في مقابل الحب / العشق الساكن في بحر لجي من الفراق والنزيف والقتل والحزن والغربة والألم .
وبما أن الموت مصاحب للألم والفراق والغياب والنزف والجرح والغربة ويصادقه الحزن ، وفي المقابل نجد لحظات الحب التي تعرف على الوجع الإنساني أيضاً يقابله الإغتراب والفقد والغياب .. الخ
.. سندلف إلى الديوان ونحن متدثرين بهذه الثلاثية ( الموت ، الحزن ، الحب ) لنكشف عن وجع القصيدة الداخل في عمق هذه الثلاثية الممزوجة بهم الوطن ، هم الإنسان ، والمثال يظهر جليا في القصيدة التي تحمل عنوان الديوان ،وفيها يغوص الشاعر بمشاعره لفقد أمه ( رقية محمد حسن ) فيقول في مطلع القصيدة : الليل صاحبته/ كشفت له حزني/ وجرحي اللي نازف ، فنجد الليل يقابله : الحزن / الجرح / النزف .
ويقول في مقطع آخر في نفس القصيدة : الشمس راحلة/ مات النهار بعدها والنعي في الجرانين/ قولولي بس فين نلتقي /أحبة مش خاينين . لنجد في هذاالمقطع تلك المتقابلات التي تعزف على نهر الوجع ، فالشمس بضيائها ترحل ، والنهار بوضوحه يموت ، والأحبة خونة ، ويصل الوجع إلى منتهاه وهو يصرخ راسما صورة لهذا الجفاف العاطفي بقد الأم : النيل لما عطش الميه يستوردها .
وإن كانت هذه القصيدة النموذج تعبر عن هذه الثلاثية ، و تدلف في هذا الوجع الإنساني ، فكل قصائد الديوان تغرف من هذه الثلاثية .. وتبحر في وجعها ..
فيرسم لنا لوحة موجعة في قصيدة ( دخول ) التي تجسد هم الوطن : أنا لو صحيح إنسان / كنت شديت الشمس قبلن تموت في المية / وعبيت نور القمر ف جيوبي قبل الأفول/ ولا كنت احتميت باليافطة / المكتوب عليها بالأجنبي / ممنوع الدخول .
فالشمس تموت ، والقمر يأفل ، مجسداً بفنية رائعة تلك الوحة المعبرة عن هذا الضياع ، وهذا مانلمسه في قصيدة ( درويش ) التي تطرح الهم الفلسطيني : ياسمعين صوت روحي بتتألم / فات حدوده الألم / وأحزاني استفردت بيا / دخلتني ف الممنوع/ ألفين يسوع لم فضوا اشتباك / يأسنا المزروع / ياحلمنا المشروع خلف الجدار العازل .
أما قصيدة ( كمين ) التي تعرف على الهم العراقي فيقول فيها : إنت الوجيعة هزتك/ الجميع أولك / ومدنك دردشة ف الليل/ عشقك محتاج لحيل/ الشوفة نصيب ف البصرة/ سلم لي على الأغراب/ الموهوبين للموت سدى/ المرهونين على كل باب نظرة/ لحظة ماجه خبر قتل الحسين .
أما قصيدة ( كاميرة التصوير ) التي ترصد أوجاعنا العربية ، فيرسم صورة شعرية بانورامية لهذا الوجع : الناس ف غزة بتنقتل/ ولازمة زينة لرأس السنة/ ودمعتين بقشيش من نبض الأفئدة/ الدم مين حفظه الأناشيد / يهرب ومطمن على الجولان العائدة/ وأنا كل مأرمي أحزاني خلفي / ألقاها تتبعني/ وتطلع لي دجلة ف ليل بيروت/ وفي كتب القراءة المرشدة .
وفي ثصدية ( السكة الحديد ) يربط الشاعر الحب بالرحيل والوداع والدموع ، عندما يهمس : قبل مايؤن الرحيل / أترك إيديك للحبيبة/ تضمهم ساعة تبات/ وأسمع لك كلمتين ف الوادع / وردهم بكام دمعة نازلين بحرقة/ وابتسم اضطراري لزوم الذكريات .
ويواصل هذا الوجع في نفس القصيدة : إيه اللي أجل لي إبتسامتي/ ووراني طريق موتي/ الحلم لما فسرته/ كان منشور على حبال الوجع صوتي .
ويواصل قائلا : والأحبة لم فض لمتهم / غير السكة الحديد / اللي خطين ف روحي/ خطين للأسى اللي ف وشي المحطات/ والمنتهى بجروحي .
لنجد الحب في القصيدة يدلف إلى الوداع والوجع والأسى والجرح والموت ،
حتى في قصيدة ( حروف العطف ) عندما يحاول الخروج من هذا الوجع بالغنا ، نجده يغرق في عالمه الأثير اللمزوج بالحزن والفراق والألم والإنكسار ، فيقول : من تحت رأس الغنا/ اتمليت أحزان/ واتفرقوا النواحيك / وانجر سن القلم / خلف المل فاتبرى/ فضح انكسارك لكافة المخاليق .
وقصيدة (شاهد نفي ) يرسم فيها الشاعر ببراعة صورة الإغتراب الإنساني ، الوحدة المتجذرة في عمق الإنسان الموجوع ، فيقول : وحدي بلا ضل يتبعني/ واقف باشبه ع البيوت/ صوتي كما الحارة سد/ مرمي جنب الحيط/ وده يموت بلا ذكرى/ بلا امس يفتقده / متغطي كما عوره بالجرانين / لاحس النزيف عابر سبيل/ ولاشال همه حزين حزنه .
أما في قصيدة (البطل)، فنجد إن مفردة الموت تتكرر (13) مرة ممزوجة مع الحزن والغروب والروح والاشتياق والدم .
وقصيدة ( عشق الألاتي ) التي يتحدث فيها عن معشوقته أم الدنيا ( مصر) ، فيتغنى بحبها وجعه الكامن بداخله لإهمالها وخيانتها له ، فينشد : عشقها ده اللي فتني/ وقومها في قلبي قيامة / أمنتها وهي خانتني/ ورتني منها فراق ياما/ ماهي اللي شقت رفتني/ فورثت عشقا وهياما .
ويواصل العزف على هذا العشق القاتل الذي حوله إلى نافايات ، فينشد : أنا اللي نافخ ف ناياتك/ وروحي رايحة ناحياتك/ قتلني شوقي وتسهيدي/ والعشق ماكانشي بإيدي/ وبقيت أنا من نفياتك .
ونجد قصدية ( كلمتين في العشق ) التي تتحدث عن بغداد تنهل من هذا الوجع فيمتزج العشق بالضياع والحداد المرادف للموت .
كما نلحظ ذلك أيضاً في قصيدة (مدد) التي تتحدث عن الشهيد محمد درة .
وفي قصيدة (أحلام للبيع) يرسم صورة لهذه الثلاثية الموجعة معبرا عن هذا الموت الممزوج بالموت والحزن والأسى : الفجر لاح ع البيوتلم ديك يصيح/جوا العيون بتباا بلاد / وبلاد تموت / على سلك الحدود .. بلاد بتنشر حزنها/ الأهه مش قد الأسى/ كان ليه يموت .
أما تلك القصائد التي يغوص فيها الشاعر في عمق النفس البشرية ليعبر عن هؤلاء البسطاء من عامة الشعب في قصادئ تحمل عناوين : ( بياع جرانين ) مهداه إلى ضحايا سجن أبو غريب ، ( بياع قماش ) ، ( بياع الورد ) ، ( بياع المناديل ) ، ( بياع العرقسوس ) فقد استطاع الشاعر بقلمه بإن يرسم لنا بروتريهات مشحونة بالوجع وهي ترسم صورة صادقة لمعاناة هؤلاء البسطاء مع الحياة بكل قسوتها .
أما في قصيدة ( كتابة ) فتظهر فلسفة الشاعر ورؤيته عندما يهمس : وكيف أنا ابدأ قصيدتي / وحزني أكبر من الكتابة / الحروف بتحون وتهرب .
وعندما يتحدث عن الحبية والصديق يقول : الحبيبة ماهيشحبيبة/ والصديق ماكانش وقت عوزه/ من هزيمتي بيبني فوزه .
ويختم الشاعر ديوانه بقصيدة ( وبس ) ليختم لنا بركان الحزن الجاسم على قلبه وهو يصرخ من اعماقه : هوه الحزن المراوغ /هو بملامحه القديمة/ هو اللي مارق/ وخارج على القوانين/ محتل كل المكنة والأزمنة/ والذكريات الأليمة .
إننا أمام قصيدة ثائرة مسكونة بهاجس الموت ، متشبعة بالأحزان والفجيعة والوجع والألم ، غارقة بين الهم الوطن وهموم الإنسان ، متشابكة ، صارخة في وجهنا بكل صراحتها ، يكل أوجاعنا / أوجاع الوطن/ أوجاع الإنسان ، راسمة بصورة فنية تلك الدراما الإنسانية ، دراما الوطن بكل أوجاعه .

يا فندم (جرانين) يعني أيه؟
ردحذف