الاثنين، 13 يناير 2014



هروب
جرَّبـْتُ كـُلَّ الطـُرُقِ للانـْسـِلاخِ مـِنـْكَ .. كُلـّهـَا قـَذَفـَتـْني بداخِلـِكَ .
يا لــلـْوَجـَعِ الـَّذِي يـَجـْتـَاحـَني ، يـَسـْحـَقـُني ، يـُدَمـِّرُ كـُلَّ خـَلايـَايـَا ، يـَنـْخـُرُ في جـَسـَدِي ، رُوحـِي كالسـُّوس ، هـَجـَمَ عـَليَّ المرضُ .. مرضٌ لعينٌ ، أفقدَنـِي كلُّ المنـَاعـَةَ بـِداخـِلـِي ، جـَعـَلـَني أسـْتـَسـْلـِمُ .. لا أمـْلـُكُ إلا الاسـْتـِسـْلامَ . 
حاوَلـْتُ الهروبَ منـْكَ !! كيفَ ؟! . يحـَتاجُ هـَذا إلى مـُجازفةٍ .. مـُغامـَرةٍ .. قـَدْ تـُكلـِّفـُني الكثير َ.. أحتاجُ إلى تـَغييرِ دَمـِّي ، أحتاجُ إلى الانـْسلاخِ منْ جلدِي ، أحتاجُ إلى تبدِيلِ عـِظـَامي ، أبـْتـُرُ قـَلـْبي هذا العـُضـْوُ المـُراوِغُ ، أتسلـَّلُ من رُوحي .. ألـَمْ أقـُلْ إنـَّهـُا مـُغامرةٌ ، تحتاجُ مـِنـِّي أنْ أتـَبـَدَّلَ ، أغـَيـَرْني ، ومـَنْ يضمنُ بعدَ ذلـِكَ لي الشِّفـَاء ، سأجـِدُكَ قـِطـَعـَا في دَمـِي الجديدِ ، وجـِلـْدِي المـُتـَخـَلـِّقِ تـَوَّاً ، وعـِظامـِي الطازجةِ ، وقـَلـْبي الأخضـَر ، و رُوحي المـُتـَجـَدِدَةِ ، كيـْفَ لا .. وأنا أتـَنـَفـَسـُكَ معَ كـُلِّ شهقةٍ ، ولا أسـْتـَطـِيعُ اخـْراجكَ معَ زَفـِيرِها ، جرَّبـْتُ كـُلَّ طـُرُقِ الانـْسـِلاخِ مـِنـْكَ .. وكُلـّهـَا تـَقـَذِفـُني بعنـُفٍ داخِلـَكَ ، أتـَدَثـَّرُ بـِكَ ، أتـَكـَوَّرَ بداخلـِكَ، أهربُ منكَ إليكَ ، لا لن يـَفلحَ البـُُعدُ عنكَ ، تجربةٌ فاشلةٌ ، تـُقرِّبـُني منكَ أكثـَر .. فعلتـُها كثيراً ،وفي كـُلِّ مرةٍ أشعـُرُ بالاحتياجِ إليكَ أكثـَر مـِنْ ذِي قـَبل ، فراغُ وحـْدَتـِي وأنـَا أحاولُ الانسلاخَ .. التمرُّدَ .. يجذِبـُني إلى أعماقـِكَ .. يـَدلفُ بي إلى وَجـَعي .. أنتَ وجـَعـِي .. وجـَعـِي بكـُلِّ مـَا تحملـُهُ الكلمةُ منْ معانٍ واسعةٍ وضيـِّقـَةٍ ، قريبةٍ وبعيدةٍ ، بكـُلِّ ما ترسمـُهُ من إسقـَاطـَات ، ودَلالات ومفاهيمٍ ورُؤَى ، أشـْعرُ بابتسامـَةٍ تُرسمُ علىَ وجـْهـِكَ الآسـِر وأنتَ تقرأُ كـَلـِماتي ، دائمـًا كنتَ تفعلـُهـَا وأنـَا أخـْرِجُ أمامـَكَ بعضَ الكلماتِ الـَّتي خرجـَتْ مـِنـِّي .. مـِنْ تأثيرِ أسـْرِكَ ، احتوائـِكَ .. دخـُولـِكَ في أعـْماقـِي ، تـَوَحـُّدِنـَا ، فأشـْعـُرَ وكـَأنـَّني أكـَلـِّمُ نـَفـْسي ، تـَدْخـُلـُني وأدْخـُلـُكَ ، هـَكـَذَا قـُلـْتَ لي يوْمـًا ، وأحـْسـَسـْتَ .. تـَتـَّسـِعُ الابـْتـِسامةُ عـَلى وَجـْهـِكَ وأنتَ تـُعـَطـِّرُني بها وتـُدَاعـِبـُني تـِلـْكَ الكـَلـِماتُ .. أنـَا الآنَ جالـِسةٌ في حـُجـْرَتي ، أحاولُ الانـْسـِلاخَ مـِنـْكَ ، أحـَاوِلُ انـْتـِزَعـَكَ مـِنـِّي ، أمارسُ تـِلـْكَ الريـَاضـَةَ الرَوْحـِيـَّة .. الهـَجـْر .. أتـَقـَوْقـَعُ دَاخـِلَ غـُرْفـَتي ، أحـَاولُ الانـْهـِمـَاكَ في مـُتـَطـَلـِباتِ البيـْتِ، أقـُومُ بتـَرْتـِيـبـِهِ أكثرَ مـِنْ مـَرَّةٍ ، أدخلُ المطبخَ أمارسُ أيَّ شـَيءً .. أيَّ طعامٍ ، أصنعُ رغـْمـًا عـَنـِّي تلكَ الأكـْلـَةَ المحـَبـَّبـَةَ إلى قـَلـْبـِكَ ، أقـَدِّمـُهـَا لـَهُ هـَذا الـَّذِي يـُشـَارِكـُني الدَّارَ ، أَكلَ ونَهضَ وجلسَ أمامَ التـِلـِفـِزْيـُون يشاهدُ مـُسلسلَ الظـَّهـِيرة وهوَ يزعقُ : (( الشـَّاي يا سـِتْ )) ، لم يقـُلْ لي كلمةً واحدةً ، هل أعـْجـَبـَهُ الطـَّعـَامُ أمْ لا  ؟ ! . لم يشكـُرْني ، لم يجامـِلـْني بكلمةٍ ، مازالـَتْ تـِلـْكَ الكلماتُ محفورةً في كـَياني.. عندَما قدَّمـْتُ لكَ السـَندوتـْشات في النـَّادي ، وأخذْتـَها وكنتَ تقضـُمـُها بـِلـَذَّةٍ ، قلـْتَ لي مـِرارًا في لحظاتِ تـَوَحـُدِنـَا :
    - مازالَ طعمُ السـَندوتـْشاتِ في فـَمـِي ..
      تـُدَغـْدِغـُني كلماتـُكَ .. يــَاه .. أنـَا أريدُ الانسلاخَ منكَ ، أقومُ بترتيبِ البيتَ مرةً ومرةً .. تـُطـَارِدُني في كـُلَّ أركانِ البيتِ مـَلامـِحـُكَ ، تـَطـِلُّ عليَّ منْ كـُلِّ الأشياءِ ، منْ دخانِ الطـَّعـَامِ علـَى النـَّارِ ، منْ صـُنـْبـُورِ المـِياهِ وأنـَا أغـْسـِلُ الأطـْبـَاقِ ، ومـِن دورانِ الملابـِسِ في الغسـَّالةِ الـَّتي تصـْحـَنُ قـَلـْبي معَ دَوَرَانـِها .. أشـْعـُرُ بوَجـَعٍ يجـْتـَاحُ كيـَاني ، أتـَلـَفـَفُ ، أهيمُ في البيْتِ كالمجنونةِ ، أنـْتـَقـِلُ منْ غرفةٍ إلى أخـْرَى ، أتـَمـَنـَّى أنْ أقـْفـِزَ ، أطيـرَ في الهواءِ إلى حيثُ أنتَ أرْتـَمـِي في حـُضـْنـِكَ ، قـُلـْتـَهـَا لكَ ذاتَ يومٍ : أتـَمـَنـَّى أنْ أرْتـَمـِي في حـُضـْنـِكَ ، تحـْضـُنـُني بقوةٍ ، بعنفٍ .. ليـْتـَكَ تـَأتي هذهِ اللـَّحظةَ ، ليتكَ تـُهاتـِفـُني، تـَنـْتـَزِعـُني منْ وجـَعـِي، منْ عـِنادِي ، افـْعـَلـْها ، هـَيـَّا يا حـَبـِيبـِي ، لاشكَ أنـَّكَ تشعرُ بي ، تحـِسُّ بـِوَجعي ، تعرِفُ غـَبائي ، رِعـُونـَتي ، هـَيـَّا .. أخرِجـْني منْ هذا الوَجـَع المـُتـَسـَرْبـِلِ في أعـْمـَاقي، أنـْزَعـْني منْ نـَفـْسي العنيدةِ .. إلى كـَيانـَكَ .. احـْتـَويني لأشـْعـُرَ بالأمـَانِ .. لا .. لا أريدُكَ .. أريدُ أنْ أشـْفـَى منْ هذا المـَرَضِ العـِضـَالِ ، دَعـَني أتحرَّر مـِنْ أسـْرِكَ .. سأمارسُ تلكَ الرياضةِ العنيفةِ .. الصـَّبرَ .. سأروِّضُ نـَفـْسي .. سأغـَيـِّرُ جـِلـْدِي .. سأجعلُ دِمائي تنـْزفُ إلى آخـِر قطـْرةٍ وسأشـْتـَري دماءً جديدةً .. بـُنـُوك الدَّمِ كثيرَة .. سأسـْحـَقُ عـِظـَامـِي بـ " الهـُونِ " وأقـَدِّمـُها لـِفـَراخي الصغيرةِ  الكائـِنةِ في مـَنـْوَرِ البيتِ رُبـَّما تجـِدُ فـِيها غذاءً شهـِيـًا ، سأنـِزعُ قلـْبي هذا المعاندَ ، المشاكسَ وأُلـْقـِيهِ في مأَوَى الزِّبـَالةِ الكائـِنِ آخـِر شارعـِنا لتأكلـَهُ الكلابُ ليلاً ، أمـَّا رُوحي تلكَ الهائمةُ في حضرَتـِكَ ، الحافرةُ كيانـِكَ بداخـِلـِها .. سأطرُدُها .. سأجعلـُها تـَتـَسوَّلُ من دُوني ، حتـَّى تعرفَ مـِقـْداري  وتعـُودُ ذليلةً كسيرةً بعدَ أنْ تتسكـَّعَ في الطـُّرقـَاتِ والشوارعِ بـِلا مأْوَى ، بعدَ أنْ تشـْعـُرُ بالتـَّشـَرُّدِ والوجـَعِ ، بعدَما تعرفُ أنـَّها معيَ في أمانٍ ، رُبـَّما تـُطيعـُني بعدَ ذلكَ ، سأجرِّبُ كـُلَّ شيءٍ للانـْسـِلاخِ منكَ .. مهـْما كلـَّفـَني الأمـْرُ . سأتحدَّاني ، وأعلنُ تمرُّدي علىَّ .. عـِصـْياني .. سأجرِّبُ كـُلَّ المـُسـَكـِّنات العـُضـْويـَّةِ واللاعـُضـْويـَّةِ ، وإنْ لـَمْ استطـِعْ سأقـْتـُلُ نـَفـْسي واتخلـَّصُ منْ هذا الوَجـَعِ .. ولـَكـِن أخـْشـَى أنْ أجدَكَ في قبـْري ، أجدَكَ مقـْتولاً مـَعي ، تـُشـَاركـُني الحياةَ الأُخرى .. لا يا حـَبـِيـبـِي .. إلا أنتَ ، أنا لا يهمُّ ، أما أنتَ فعـِشْ حياتـَك ، جرِّبْ مع أُخـْرى ، ستجدُها .. مـَنْ لا تعشقـُكَ ياحبيبي ؟؟  ، مـَنْ لا تـَتـَمـَنـَّى أن تُحبـَّها .. لا .. لا تحب غـَيري ، قـُلـْتَ لي مـِنْ قبـْل .. أنـَّكَ لنْ ولـمْ تحـِب أُنـْثى غـَيـْري ، أنا الوحيدةُ الذَّي حرَّكـَتْ مشاعرُكَ ، وسكنـْتُ فيكَ كما سكنـْتَ فيَّ ..
      لا .. لن أقتـُلَ نـَفـْسي حتـَّى لا تفعلـْها مـِثـْلي ، يكـْفي أنْ أبتعدَ عنـْكَ .. أو بمـَعـْني أدَق : أحاولُ الابتعادَ عنـْكَ .. الانـْسـِلاخَ مـِنـْكَ .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق